الأربعاء, ديسمبر 19, 2018
تحقيقات

في قراءة جديدة للتاريخ .. دارفور ليست بعيدة عن مروي القديمة

تحقيق : (دارفور24 ) : حتى وقت قريب كان
المؤرخون وعلماء الآثار، يعتقدون بأن الجغرافية كانت السبب وراء عدم تقدم الحضارات
القديمة في السودان «التي لازمت النيل من أطرافه الشمالية على الحدود مع مصر حتى وسطه
الجنوبي» إلى أقاليمه الغربية، اذ يظن الكثير من المؤرخين إن سكان تلك الجهات ظلوا
بعيدين وغريبين عن سكان السودان القدماء.
هذه القناعة التي ظلت عصية
على التحوُّل، أصبحت الآن محل إعادة للنظر عند بعض المحدثين من أهل التاريخ بعد اكتشاف
«مؤشرات أثرية» لم ترتق إلى مرحلة اليقين وما زالت قيد البحث، تقول بأن الكوشين «سكان
السودان القدماء» ومن هم قبلهم ومن جاءوا بعدهم لم يكتفوا بمجاراة تعرجات النيل جنوبا،
وإنما التقوا بحضارتهم مع حضارات اخري ظلت قائمة  السودان الغربي بل حتى العمق الأفريقي.
من بين الدارسين المحدثين
في الماضي السوداني، والذين تبنوا ما يعرف بإعادة قراءة التاريخ .. ابراهيم محمد اسحق
وهو «روائي واستاذ جامعي وباحث في التاريخ واللغة».. قدم اسحق من خلال متابعة الشواهد
رؤية جديدة لما ظل يعتقده العديد من المثقفين السودانيين حول حدود الحضارة النوبية
القديمة، وحسب رؤيته التي طرحها في ندوة نظمها منتدى منظمة اليونسكو في الخرطوم قبل
اعوام، فان الحضارة النوبية القديمة ليست ببعيدة عن أقاليم دارفور وكردفان اليوم، بل
تعدى تأثيرها حدود السودان الغربية باتجاه دول غرب أفريقيا.
يقول اسحق في إجابته على
سؤال: هل ثمة علاقة بين دارفور كمملكة عريقة قامت في قلب أفريقيا واستمرت تحافظ على
تقاليدها ولغتها وأسلوبها في الحكم لأكثر من ستة قرون مروي كحضارة سبقتها؟ وهل هنالك
روابط ثقافية واقعية تجمع بين المجموعات التي سكنت في ما يعرف في منطقة دارفور قبل
عام 1821م بحدودها الجغرافية المعروفة آنذاك من ناحية جغرافية، ومنطقة المثلث النوبي
الذي يمتد من مروي القديمة «البجراوية» ليشمل بداخله منطقة كردفان «جبال النوبة»؟ نطاق
مروي:
ويجيب اسحق عن تساؤله بالقول:
تلقائياً تدخل دارفور بحدودها القديمة ضمن نطاق ونفوذ الدولة المروية القديمة، وهناك
الكثير من الشواهد المادية ومن الآثار ومن العلائق الإثنية والثقافية يمكن الاستناد
إليها .. وإذا ما تأملنا في ما كتب عن دارفور خاصة ما كتبه يروان الفرنسي أوتختخال
الإلماني أو محمد عمر التونسي وغيرهم من المؤرخين، نجده قد أنصب على دراسة تاريخ دارفور
وتراثها اللغوي والثقافي خلال حقبة التاريخ الإسلامي، ولم يتطرقوا إلى حقبة ما قبل
الإسلام.
ويقول: «في الواقع فإن
امتداد دارفور القديم من النيل إلى أواسط غرب أفريقيا يمثل في واقع التاريخ ما يمكن
أن نطلق عليه مثلث الحضارة المروية القديمة أو النوبية .. ونحن نعلم إن البعض قد يصف
الربط بين دارفور وممالك السودان الشمالي القديمة بمحاولة الحرث في البحر، إلا أننا
نريد أن نركز على التاريخ السابق للإسلام، وندرك أن ذلك يحتاج منا بلا شك إلى جهد كبير
لعدم وجود الدراسات والأبحاث المتعمقة والمتخصصة».
شواهد ودلالات:
ويضيف «ولكن الشواهد التي
تم اكتشافها والآثار التي وجدت في منطقة «عين فرح» القريبة من بلدة كتم بشمال دارفور
و«جبل أورى» و«منطقة قرننق» في أطراف جبل مرة، تأكد بأنها ترجع لحقبة ما قبل الإسلام
وتدل على ارتباط بين مرة والحضارة التي قامت في دارفور».
ويسترسل اسحق في حديثه
قائلا: «ففي قمة جبل عين فرح «ولاية شمال دارفور» اكتشفت مدينة كاملة وبها قصر ضخم
مبني على الطراز المروي ومسجد مبني على طراز المعابد المروية مبني من الطوب الأحمر
يرجع تاريخه لما قبل 1440م. وكذلك تم اكتشاف مدينة في قمة جبل أوري أكبر من الأولى،
وكل هذه المنطقة – امتداد طبيعي لما يعرف بمنطقة «فورننق» ويطلق عليها اسم سلسلة جبال
«فونو» وترجمتها «جبل نوح» وهذه السلسلة امتداد لسلسلة جبل مرة تماثل تماما ما خلفته
الحضارة المروية».
وتقول النتيجة التي نصل
إليها من خلال وجود مسجد مبني على الطراز النوبي القديم دليلا على أن حضارة قد سبقت
الإسلام في هذه المنطقة وتاريخ بنائه يحدد فترة التحول الذي حدث كنقلة تاريخية للتحول
إلى الحضارة الإسلامية على الرغم من أن مرحلة الانتقال من عقيدة وحضارة قائمة إلى أخرى
تحتاج إلى زمن طويل ». ويضيف «لا يمكن أن نتجاهل وجود القصور الشبيهة بالآثار المروية
ونتخطاها إلى الحقبة الإسلامية».
وفي هذا الإطار نقل اسحق
ما أورده البروفيسور الراحل محمد ابراهيم أبو سليم «مؤرخ ومدير سابق لدار الوثائق السودانية»
عن عملية التحول في بلاط دارفور إلى الإسلام، من أن ذلك كان عملية داخلية حين دخلت
النظم الإسلامية الخاصة بالحكم في التركيبة السياسية للسلطنة من دون أن تعرض التركيب
القديم للانهيار، وهذا يعني أن المجتمع قد حافظ على تقاليده وعاداته ولغته وأعرافه
الضاربة في عمق جذور التاريخ.
اكتشاف مثير:
ويقول اسحق مستندا إلى
شهادة البروفيسور أبو سليم إن هذه النقلة والتلاقح الإسلامي والعرفي كان عن علم وقناعة
ودراية بحقيقة الدين الإسلامي، بعدما عرفت دارفور في وقت المسيحية كعقيدة قبل الإسلام.
ويؤكد ذلك باذل دافنشن في كتابه «أفريقيا تحت أضواء جديدة» والذي يؤكد بأن دارفور كانت
همزة الوصل بين الممالك المسيحية التي قامت على النيل الأوسط. ويستند في قوله إلى ان
العلماء الذين درسوا آثار عين فرح، قالوا إن المسجد الذي بني في قمة جبل عين فرح كان
في الأصل كنيسة، ويؤيده «أركل» في ذلك بأن دارفور كانت ضمن الممالك النوبية القديمة
التي أسهمت المسيحية في ربطها وشعوبها ثقافياً فخلقت «كوش» من جديد.
ويضيف .. «أهم ما نود أن
نتناوله هنا هو الاكتشاف المثير الذي تحقق على يد البعثة البريطانية عام 1935م، حينما
أعلنت عن اكتشافها لأقدم مدن أفريقيا الضائعة القصور على قمم جبال قرننق، ومن ضمن هذه
المدن مدينة «أنقري» التي يشبه نطقها كلمة «منقرع» الفرعونية» «الأغرب من ذلك أن القرية
التي تحتها تسمى «منقري» ومدينة «جلا» العريقة ومدينة عين فرح ومدينة أوري في قمة جبل
أوري».
مدن من طوب:
يقول: «بني الشاويون الأوائل
مدنا من الأحجار والطوب الأحمر على قسم من سلسلة جبال فورننق ما تزال آثارها باقية
.. هذه المدن استطاعت إن تعمر لأكثر من أربعة قرون وأن الطوب الذي بنيت به لا يوجد
مثله الا في الآثار التي خلفتها مروي وهو الطوب نفسه الذي بنى به النوبة كنائسهم»
.. ويضيف: «اعتقد ان هذه الآثار ربما تكون ذكرى من مروي التي اختفت وظهرت من تلال دارفور».
ومن بين الشواهد التي ذكرها
اسحق لإثبات رؤيته أن طريقة الزراعة التي يمارسها الأهالي في قمم الجبال خاصة في سلسلة
جبال فورننق وجبل مرة، هي النفس الطرق التي كانت متبعة إبان الفترة المروية، وقال إن
المفردة مروي أو ماروي، تلتقي في معناها في لغة ثلاث قبائل في دارفور منها «الزغاوة
– الفور – الميدوب» وتعني حداد أو صانع الحديد بهذا النطق «مير – ميرو – ميري» مثلما
هو الحال في جبال النوبة، حيث هنالك قبيلة نوبية يطلق عليها «الميري» وتعني الحدادين
في لغة الفور، كما أن مروي اشتهرت بصناعة الحديد واكتشفت مؤخرا مناجم لصهر الحديد في
«غرب جبل مرة» جهة وادي صالح.
ويقول اسحق «هنالك تشابه
لغوي غريب بين القبائل النوبية الواقعة في الشمال وجبال النوبة والقبائل الرئيسية في
دارفور «الزغاوة، والفور، والميدوب، والمساليت» في بعض الاصطلاحات» ويمضي في هذا الاتجاه
ليتحدث عن تشابه غريب في أسماء بعض المدن في الشمال والأخرى الموجودة في دارفور، ملاحظا
أن لكل مدينة في الشمال تفسيرا معنويا بلغة الفور مثل مدينة المقرة التي تعني عند الفور
قراءة نص ديني، في حين تعني كلمة «علوة» عند الفور التأكيد بأن الله فوق كل شيء.
مسميات مشتركة:
ويقول «إن الرسوم التي
يرسمها الأهالي في دارفور على حيواناتهم «الوسم أو الوشم» هي في الأصل لغة هيروغلوفية،
وأن الصالة المطلة على القصر الملكي في قمة جبل أوري كانت منصة يجلس عليها الملوك المرويون
لاستقبال رعاياهم قرب القصر الملكي، حيث يعتقد أن العائلة المالكة في مروي هربت أمام
الغزو الأكسوسي صوب الغرب ووصلت إلى تلال دارفور، وأقامت فيها مملكة تحمل كثيراً من
الطابع المروري».
ومن بين الشواهد التي استند
عليها الباحث بعض العادات المتشابهة عند بعض القبائل في مصر «الكنوز علي وجه التحديد»
والتقاليد التي عرفت في مصر الفرعونية، مع عادات وتقاليد القبائل الموجودة في دارفور،
وطبقا لقوله، فإنه يمكن تقسيم القبائل التي تلتقي في التشابه اللغوي إلى ثلاث مجموعات
كنماذج، ففي الشمال النوبة «الدناقلة – المحس – الحلفاويون» وفي كردفان مجموعة الغلفان
«التيرا – النمنق – التورا – الميري» وفي دارفور مجموعة «الفور – الزغاوة – الميدوب
– المساليت – البرتي – الداجو».
وهنا يقول اسحق «إن التشابه
اللغوي في بعض القبائل في الشمال والغرب ووسط الغرب، يقودنا للبحث في أصول العلاقة
الثقافية الجامعة لهذه القبائل كقومية أفريقية ذات جذور حضارية في السودان القديم».
ويختتم اسحق حديثه بالقول
«قطعاً إذا وجدنا إجابات شافية من خلال هذا المنحنى الدراسي الذي نسير فيه، فسنكون
بذلك قد حققنا كشفاً علمياً لم يسبقنا إليه أحد، ونكون بذلك قد أمطنا اللثام عن سر
الحضارة المروية التي غرقت آثارها في الشمال بفعل فاعل، وما تزال البقية الباقية في
شمال السودان.
وتعد مروي من الحضارات
العريقة التي ترتكز عليها الحضارة القديمة في السودان، ففي نهايات القرن الخامس قبل
الميلاد انتقلت عاصمة النوبة من نبتة إلى مروي التي تقع جنوب الشلال الخامس، وتمتاز
بخصائص كثيرة أهلتها لأن تكون العاصمة الجديدة للمملكة النوبية، أهمها الموقع الجغرافي
المتميز.. في مفترق طرق القوافل التي تربط مصر بأثيوبيا وكافة بلاد أفريقيا.
وتميزت حضارة مروي بطابعها
الأفريقي الذي تفردت به، خلافاً لبقية الثقافات التي ازدهرت في وادي النيل. وتدل الآثار
المتبقية من هذا العصر على تأثر مروي بالثقافات المختلفة التي عاصرتها، ويبدو ذلك جليا
في معابدها ذات الطابع الروماني والمصري والإغريقي.
·        
نقل ما سجله ابراهيم اسحق في الندوة الصحفي فرح امبدة

تعليقات فيسبوك

تعليقات

اترك تعليقاً