بقلم : محمد بدوي

في 29 فبراير 2018 كتب الأستاذ الصادق الرزيقي رئيس تحرير صحيفة الإنتباهة، الذي يتقلد أيضا رئاسة إتحاد الصحفيين السودانيين، في عموده الموسوم ب” أما بعد ” بالإنتباهة مقالاً بعنوان “لماذا لا يُطلق سراح الشيوعيين ” ، حمل المقال الكثير من المعلومات التي حاول “الرزيقي” الإيحاء بوضعها تحت مظلة “التحليل ” لكن سياق الحال يُشير إلي أنه يقف علي معلومات توفرها جهه ما، لا نود كيل إتهام للرزيقي بلعبه دور المخبر، فالمشهد الذي برز بعد إعادة تعيين الفريق أول صلاح عبدالله قوش مديراً لجهاز الأمن والمخابرات الوطني أربك العديد من  القطاعات بالحزب الحاكم، ومنها القطاع الصحفي المرتبط بالموالين للحزب الحاكم، حيث يبدو أن هنالك ” خدمة مجانية ” يسعي عبرها بعض الصحفيين للتقرب من “قوش” في فترة توليه الثانية لإدارة جهاز الأمن، هذا لا يخصنا لأنه ينصب في إطار صراعات الحزب الحاكم الذي تتغير فيه مراكز التحالفات بتغير المواقع، صعوداً أو هبوطاً، لتبدأ دورةٌ من محاولات ” التقرب زلفة ” كلما صعد أحدهم إلي منصب إستند علي الولاء الحزبي، فمقاليّ الرزيقي، الذي أشرنا إليه و الآخر  المعنون ب”  خروج وعودة ” الذي نشر بتاريخ 13 فبراير 2018 ، يكشفان عن مسرح صراع إعلاميي الحزب الحاكم في خضم التغيرات التي طرأت علي بعض المناصب التنفيذية.

(2)

المشهد الإعلامي لم يتخلف  عن تعدد مراكز الصراعات بالحزب الحاكم بل سار علي ذات النسق، بالتركيز علي بعض الأحداث التي إرتبطت بقوش قبل مغادرته المنصب في عام 2009 م، يُمكن ملاحظة إمتداد ممارسات إنتهاك حرية التعبير التي إمتدت لتكسر طوق الحصانة الحزبية، فعلي سبيل المثال لا الحصر، فقد تم إغلاق صحيفة ألوان في  مايو 2008 علي خلفية مقال ناقد لتراجع دور المؤسسات الأمنية بما سمح بدخول قوات حركة العدل و المساواة إلي العاصمة السودانية في ما عُرف بعملية الذراع الطويل التي هدفت إلي السيطرة علي السلطة بالقوة العسكرية ، بالاضافة لتناولها خبر إعتقال طيارين روس من قاعدة وادي سيدنا العسكرية  بأمدرمان من قبل مقاتلي العدل والمساواة ،كان سلاح الجو السوداني قد أنسد إليهم مهمة التدريب علي التعامل مع الطائرات الروسية الصنع المتوفرة لدي القوات الجوية السودانية.

الترويج لممارسات جهاز الأمن التي تتعارض مع قانون جهاز الأمن والمخابرات الوطني لسنة 2010 و الدستور الإنتقالي السوداني لسنة 2005م ممارسة سبقه إليها الأستاذ ضياء الدين البلال عندما كان يرأس تحرير صحيفة الرأي العام حين عمل علي الترويج لتصريح قوش  الذي ذهب فيه إلي قطع أوصال من يثبت تعاونهم مع المحكمة الجنائية عقب صدور قرار أمر القبض علي الرئيس السوداني عمر البشير من المحكمة الجنائية الدولية في مارس 2009،  يمتد السجل في سابقة حديثة إرتبطت بمقال للأستاذ الهندي عز الدين رئيس تحرير صحيفة المجهر السياسي 26 يناير 2012 الذي كان قد إنتقد فيه قوش فيما يرتبط  بدور جهاز الأمن وعملية الذراع الطويل ” الفريق أمن “صلاح قوش ” فاشل و في داخله ” ديكتاتور ” وخليل دخل في عهده أم درمان نهاراً جهاراً”  ليعود في 13 فبراير2018  لنشر مقال آخر بعنوان ” عودة الفريق “صلاح قوش” .. ما لا يعلمه المتسطحون والسفهاء!”  خلاصته الكشف عن ” صفاء العلاقة بينه وقوش ” مجمل هذه المقالات نجدها قد كشفت عن نقد لشخص قوش و ليس لسياسات مؤسسة جهاز الأمن، من جانب آخر  جاء رد فعل قوش تجاه إغلاق الصحف ليكشف عن سياسات مؤسسة تجاه صحف موالية للحزب الحاكم، لتكون محصلة الحال أن النقد والترويج والإنتهاك لحالة حرية التعبير ليست مسنودة بقانون، إذن ما يُحاول الرزيقي الوصول إليه بإستخدام سيرة الحزب الشيوعي أمرٌ مفضوح  الغرض، بل حمل من العجلة ما يُوحي بوقوعها ضمن إطار سباق  الكسب السريع، فإن تمهل وعاد للمراجعة وللتدقيق لأدرك أن رتبة قوش الاَن  فريق أول ” و ليس فريق كما ورد في السطر 11 من المقال ،

(3)

اشرت  عاليه باني سأمسك عن إتهام الرزيقي بصفة المخبر بسبب إيمانى بحقه في التعبير , وإن جاء تحريضاً لسلب الحق في التنظيم و التعبير  وأيضا لكي أسند حرية التعبير بالنقاش و الحوار و الرد فهو أمر يتعلق بأشخاص مسلوبي الحرية لا يُمكنهم الرد عليه، فمن باب أولي إلتزام المهنية  في الكتابة بما يليق و سيرة الحزب الشيوعي و نضالاته، فبالعودة إلى ما ذهب إليه الرزيقي ” كتحليل ” بأن عدم إطلاق سراح بعض عضوية الحزب الشيوعي بسبب أن الحزب  علي صلة بمخابرات خارجية عربية وغربية ويتولي مهمة التنسيق لإسقاط النظام! نجد أن الرزيقي يناقض نفسه في الفقرة التي أشار فيها إلي إستراتجية جهاز الأمن بأنه قام بالإبقاء علي السكرتير العام و بعض أعضاء اللجنة المركزية للحزب والمفاصل الناشطة بُغية الحيلولة بينهم و قيادة التظاهرات السلمية!، أليس هذا يفضح ما ذهب إليه الرزيقي من تولي الحزب الشيوعي التنسيق مع مخابرات دول أجنبية، إذا تقدمنا قليلاً في المقال نجده يُشير إلي شيخوخة الحزب وضعف تأثيره في تحريك الشارع، إذن ما الداعي للإعتقال ؟ بل في حال حصول الدولة أو السلطات علي وثائق تثبت تلك الإدعاءات فالاجدر هو التقديم لمحاكمة عادلة؟ لكن هنا يثور سؤال هل ستكون محاكمة بالإتهام بمحاولة لإسقاط النظام أم محاولة للإنقلاب علي نظام المؤتمر الوطني؟ أليس المشهد مقارباً لما حدث مع قوش في 2012 ،في تقديري أن الرزيقي جانب الحصافة حين  حاول الترويج لعلاقة الحزب الشيوعي بتهم العمالة فسيناريوهات  تدبيج الإتهامات إستناداُ علي “الخصومة السياسية ” يمكن وصفه بمنهج “الفلاش باك ” الذي يعيق سيطرته علي مشهد الاقتراب من  كسب ود قوش  الذي خبر ذات التجربة .

(4)

في تقديري أن مقال الرزيقي يُعيد التفكير في دور الصحفي الحزبي و معايير الإلتزام بحرية التعبير التي تُشكل الإطار العام الذي تكفله العهود الدولية والدساتير والقوانيين، من جانبٍ آخر يمتد التساؤل عن الأقمصة التي يُمكن أن يرتديها الصحفي الحزبي الذي يتبوأ رئاسة إتحاد الصحفيين السودانيين الذي يفترض فيه نظرياً وعملياً أن تكون مواقفه متسقة التناول لأن الأجسام النقابية يفترض فيها تعزيز المشهد الإعلامي بما يرتقي بالممارسة وفقاً للمهنية، إذن إنحراف الدور إلي إرتداء “قميص الحزب ” ينتقص من كفاءة الجلوس علي عرش جسم نقابي يفترض فيه أن يكون صمام أمان رقابي و ليس ” بوق ” يرتفع لمساندة مخالفة القوانيين، وهنا فقد أذكر أن المعتقلين السياسيين جميعهم ينتمون لأحزاب خضعت ووفقت أوضاعها وفقاً للشروط الذي ذهب إليها مسجل الأحزاب السياسية بالتالي فإن الإنتهاك يُعد مخالفةً لقانون الأحزاب السياسية، وبالعودة إلي الحقائق  نجد أن:

الإحتجاجات التي بدأت في 16 نوفمبر 2016 بادر إليها الحزب الشيوعي ولكن سرعان ما التفت حولها فصائل المعارضة وقد إرتبطت برفض السياسات الإقتصادية التي قادت إلي إرتفاع في أسعار السلع والخدمات الأساسية، و هو أمر يرتبط بدور الدولة وفقاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية و الإجتماعية الذي صادق السودان وعليه و بناءً علي ذلك يُفترض أن علي السودان إتخاذ ما يحقق الرفاهية و ليس العكس، بدايةً إحتجاجات يناير قدمت درساً في إحترام السلطات بمبادرتها بإخطار شرطة ولاية الخرطوم بالمسيرة السلمية، الدرس الثاني هو  تحصن كافة الإحتجاجات بهتافات سلمية بما أبعدها عن نظرية المؤامرة التي تستند علي شعارات وممارسات التخريب، أليس الأجدر إحترام حرية التعبير التي انطلقت من نقطة نضج سياسية، الإعتقالات التي طالت أعضاء الأحزاب السياسية والناشطين و المدافعين عن حقوق الإنسان أليس الأجدر بأن يتم فيها إحترام الحق في التظاهر والإحتجاج وبل المحاكمات العادلة إن وجد ما يسوغ ذلك؟ لم يتعرض “الرزيقي ” إلي  الإعتقال و لا الحبس بمعزل عن العالم الخارجي ولا الترحيل إلي سجون الولايات و لا الحرمان من الزيارات ومقابلة الممثليين القانونيين بل أشار بأن هنالك معلومات تسعي لزعزعة إستقرار السلطة و ليست الدولة، فالنظام الحاكم يُمثله المؤتمر الوطني بشكلٍ  كبير ، و نُشير إلي أن الإستقرار الذي يحاول الرزيقي الإيحاء بإستهدافه رهين بالتطبيق الصحيح للقانون  ورهين بحرية التعبير التي أُعتقل من حاول ممارستها من الإعلاميين والذين أُعتقلوا بسبب تغطيتهم للإحتجاجات، مساندة الرزيقي لتصريح مدير جهاز الأمن بأن الإفراج عن المعتقلين رهين بتحسن سلوك أحزابهم يحيل دور الصحفي أو الإعلامي إلي مساند لإنتهاكات أخذت سياق آخر غير الإعتقالات التعسفية إلي الإحتجاز كرهائن، سأدفع بسؤالٍ ليس بحاجةٍ لرد ماهو موقف الرزيقي إن كان من بالمعتقل من عضوية الحزب الحاكم الذي يمثله؟، الم أقل بأنه ليس بحاجة للرد فالأجدر الإلتزام المهني و الانحياز لروح التضامن و فروسية عدم الإنتقام من الخصوم و هم قيد الإعتقال في وضع يطابق “الرهائن ” فمبدأ الحرية للجميع هو صمام أمان الإستقرار ، أما تحسين السلوك الذي قُصد به “التوالي ” و التنازل من ممارسة الحقوق فهو خطر  الصمت عليه قد يجعله يمتد، فقد يصحو الرزيقي صباحاً وذات الشريط يتكرر ” بأن السماح بالنشر رهين بتحسن سلوك دور النشر أو الصحف !”

(5)

دعني أُذكِّر الرزيقي بأحوال بعض المعتقلين ليس إستدرار لعطف لكن علّ المقال قد يفلح في دفعه للإنحياز إلي موقفٍ يحترم القانون و الإنسانية و المهنية، القانون الجنائي السوداني 1991 نص في المادة ”  47 ” علي التدابير للشيوخ و المادة من ”  48 ” التدابير المقررة للأحداث، بالنظر إلي كلا المادتيين أنهما حظرتا الحبس لمن تجاوز ال70 من العمر أو لمن هو أقل من 18 سنه إلا في حالات إستثنائية إرتبطت بجرائم الحدود، بالرغم من ذلك خلا قانون الأمن الوطني والمخابرات 2010 من الإشارة إلي مسألة العمر الأمر بالرغم أن المادة (51) من قانون الأمن ( حقوق المقبوض عليهم ) تقف ضمانة لبعض الحقوق الإ أنها بعيدة عن الممارسة الأمر الذي يجعل الإحتكام إلي الدستور 2005 و القانون الجنائي و قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م أمر يحظي بالإحترام.

(6)

في 11 ديسمبر 2017 إنعقدت  بالخرطوم جلسة سماع للجنة حقوق و رفاهية الطفل التابعة للإتحاد الأفريقي، في الدعوي التي مثلت فيها الشاكية الطفلة (إ .ب) في مواجهة حكومة السودان التي قررت عدم منحها الرقم الوطني لإنحدارها من أب ينتمي إلي دولة جنوب السودان رغم أن أمها سودانية، هنا أُشير إلي أن إنتقال اللجنة للخرطوم للسير في القضية ليس عبثاً بل رسالةً قانونية وسياسية قصد بها الإتحاد الأفريقي حمل الحكومة السودانية على إحترام الحقوق المرتبطة بما يتسق والميثاق الأفريقي لحقوق و رفاهية الطفل الأفريقي الذي صادق السودان عليه ،  وحسناً أن إستجابت الخرطوم لذلك بقرارٍ صادر من مجلس الوزراء في 25 فبراير 2018 بالسماح بالتمتع بالجنسية السودانية للمنحدرين من أبناء جنوب سودانيين ، علي ذات نسق الحساسية في التعامل أُشير إلي أنه في 18 فبراير2018 أفرج جهاز الأمن من ” سجن كوبر ” و ليست دار رعاية للأطفال “إصلاحية ” عن الطفل أحمد عبدالرحيم عبدالله “16 عاما” ،  بعد قضاء 17 ليلة بالمعتقل، سجل المعتقلين السياسيين يُشير إلي أن  التقدم في العمر  لم يمنع من إعتقال المهندس صديق يوسف 88 عاما الذي أُفرج عنه في 11 فبراير بلحية كساها البياض وقاراً للصمود، لقد بقي داخل المعتقل عباس محمد السباعي 84 عاما، وآخرون تجاوزوا السبعين من العمر أمثال محمد مختار الخطيب، بقي بالمعتقل من يُعانون من إرتفاع في ضغط الدم ومرض السكر والقلب والنظر وغيرها فهنالك محي الدين الجلاد الذي يقبع بسجن زالنجي ويحيي  محمد مدلل و صالح محمود و غيرهم كُثر  ……… الإفراج عن بعض السياسيين و الإبقاء علي الآخرين من حزب المؤتمر السوداني أمثال عمر الدقير الذي أُعتقل في 10 يناير و مولانا محمد الحافظ محمود و من البعث العربي وجدي صالح و الدكتورة يوسف الكودة من حزب الوسط الإسلامي وكُثر من الحزب الشيوعي السوداني، وهذا مثل تمييزاً لا أساس له، فلو تأمل الرزيقي قليلاً لرأى الكثير ” فالحال المائل لا يحتاج إلي شواهد “.

(7)

أخيراً الحرمان من الحق في الحياة والحرية شكلت إحدي الممارسات التي شهدتها الساحة السياسية السودانية و لكن رغم ذلك تمكن الشعب السوداني من المضي و التعبير عن إرادته بإقتدار لينجز ما أراد وشهدت علي ذلك ثورتي أكتوبر 64 و إنتفاضة أبريل 85، فيكفي الموقف شرفاً بيان حزب الأمة القومي المعارض الذي إنتبه لمخطط تفتيت قوي المعارضة بالإفراج عن  عضويته دون الآخرين، فالبيان الذي صدر  مُعبراً عن حرصه علي وحدة الصف يُمثل إمتداداً لمسيرة و عي الشعوب، من جانبٍ  آخر إختزال  قدرة الشعب السوداني علي التغيير  في قدرة الأحزاب السياسية فقط يُشير إلي عدم وعي بحركة التاريخ، فالأحزاب السياسية جزءٌ من الشارع تتفاعل معه “تتعلم منه قبل أن تقوده ”  و كما قال الشاعر التونسي الراحل أبوالقاسم الشابي إذا الشعب يوما أراد الحياه .. فلابد أن يستجيب القدر ، ولابد لليل أن ينجلي … و لابد للقيد أن ينكسر .