لكل حراك أو انتفاضة أو ثورة مُحركها. فإن كان رفع سعر الخبز وغلاء المعيشة قد أشعلا حقاً فتيل الانتفاضة في السودان، فإن ما أبقى الشعلة حية هو إجماع جلّ الشعب على أنه حان وقت رحيل الجنرال عمر البشير وإخوانه. مطلب حاد يؤيده من يدرك بأن السودانيين ينتفضون ضد نظام ذي رأسين، عسكري وإسلاموي في الوقت نفسه .

ويُطلق السودانيون على هذا النظام مصطلح “الكيزان” نسبة إلى مقولة “الدين بحر ونحن كيزانه” التي يرجعها البعض إلى حسن الترابي في حين ينسبها آخرون لحسن البنا، والمراد بها أن الإخوان المسلمين هم تلك الكؤوس الغارفة من بحر الدين. و”الكوز” كلمة عربية تعني الكوب أو الكأس، لكن نظراً لاقترانها بنظام البشير، أضحى مصطلح “كيزان” في السودان مرادفا للإجرام والفساد والنفاق الديني.

لقد مضت ثلاثون سنة على انقلاب العميد عمر البشير على حكومة الصادق المهدي المنتخبة بمشاركة الجبهة الإسلامية بزعامة حسن الترابي. كانت البلاد آنذاك تحاول أن تصلح ما أفسدته سياسة “فرق تسد” التي سلكها الاستعمار البريطاني. وكانت حكومة المهدي قد أوشكت على وضع حد لـ 34 سنة من الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، إذ صادقت على اتفاقية سلام تقضي بإيقاف الحرب، وتجميد القوانين الإسلامية التي كان قد سنّها الترابي، وفرضها الرئيس السابق جعفر النميري على السودانيين المسيحيين وغيرهم من غير المسلمين في جنوب البلاد.

لكن بمجرد أن استحوذ البشير والإخوان على الحكم، نسفوا كل جهود السلام ليحولوا دون إلغاء القوانين الإسلامية، ثم واصلوا حرباً صوروها على أنها جهاداً ضد الكفار الذين كانوا يصنفونهم بـ”العبيد”. واستمرت أطول حرب في تاريخ القارة الأفريقية إلى أن أودت بحياة مليوني شخص، وأدت إلى تمزيق وحدة الوطن بانفصال جنوب السودان سنة 2011.

وبنفس الاستعلاء الديني والنعرة العنصرية العروبية، شنّ النظام حروباً أخرى طالت المواطنين داكني البشرة، والمنحدرين من أصول غير عربية. وكان لدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق النصيب الأوفر من هذه الاعتداءات، وهي المناطق ذاتها التي كان قد أسلمها العرب الأوائل إلى حدّ كبير لكنهم لم يتمكنوا من تعريبها. فباسم العروبة، سيخوض حزب المؤتمر الوطني الحاكم، المنشق عن الجبهة الإسلامية، حروباً طاحنة ضد ملايين المواطنين غير العرب الذين لم يشفع لهم إسلامهم.

كانت دارفور إقليماً موحداً تقطنه غالبية قبائل الفور والزغاوة والمساليت وغيرهم من القبائل غير العربية إلى جانب العرب الرحل. لكن نظام البشير جرد أسياد الأرض من حقوقهم التاريخية، وصادر جزءً من أراضيهم وقسم دارفور الى ثلاث ثم إلى خمس ولايات أصبحوا فيها أقلية مهمشة. ثم جاء بمستوطنين عرب، بعضهم من دولة التشاد المجاورة، وسلم لهم الأرض وأعلام “الإمارة” ليحكموا دارفور عنوة.

ولما حمل الضحايا السلاح، شنّ عليهم الجيش ومليشيات الجنجنويد الحكومية حملة إبادة لم يشهد لها السودان مثيلاً من قصف، وقتل للمدنيين، وتهجير قسري، واغتصاب ممنهج، وتسميم للآبار، وتدمير للمحاصيل الزراعية.

وبحلول 2008، قدرت الأمم المتحدة ضحايا حرب دارفور بـ 300 ألف قتيل، ومليونين ونصف المليون مشرد داخلياً وربع مليون لاجئ في التشاد. لكن سرعان ما توقفت عن إحصاء الضحايا، لتعلن في نهاية 2009 بأن الحرب في دارفور قد انتهت، في محاولة للتستر على فظائع النظام التي عاينتُها وكشفتُ عنها للسودانيين وللأمم المتحدة والرأي العام الدولي.

كما أن المنظمة الأممية لم تأبه بتوثيق مجازر ولاية جنوب كردفان (جبال النوبة) التي يقطنها عدد من المسلمين والمسيحيين والروحانيين وبعض القبائل العربية، وأخضعها جنود البشير ومليشياته لنفس الجرائم التي ارتكبوها في دارفور، فقصفوا وقتلوا عشرات الآلاف وشردوا مئات الآلاف من غير العرب.

أما في شرق البلاد، فلم ينج شعب البجا الذي اعتنق الإسلام واحتفظ بلغته وثقافته من حروب النظام. فبمجرد أن نظم البجا أنفسهم وطالبوا بإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل، شنّ عليهم الجيش السوداني حرباً دامت أكثر من عشر سنوات، أسفرت عن قتل للمدنيين، وتهجير قسري، وزرع حقول ألغام مازالت تودي بأرواح المواطنين.

من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، لا توجد منطقة في السودان لم يهمشها ويفقرها النظام قبل محاربتها. حتى احتجاجات قرى كجبار في شمال البلاد ضد سدٍّ لا فائدة منه سوى إغراق وتدمير التراث النوبي العريق، قابلتها الشرطة بالرصاص الحي مثلما قتل قناصة النظام حوالي 200 امرأة ورجل خلال احتجاجات 2013 في الخرطوم. وهاهم اليوم يحصدون أرواح العشرات من الشباب الثوار الذين ينتفضون تحت شعار “تسقط وبس.”

هذه لمحة قصيرة عن الحروب التي أكسبت البشير رتبة جنرال، وجعلته مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب إبادة جماعية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور؛ حروب ساهمت في إفلاس خزائن الدولة بشهادة وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي.

وأشار تقرير 2016 لمنظمة The Sentry التي ترصد الإنفاقات العسكرية في أفريقيا بأن 70% من ميزانية الدولة السودانية تبتلعها المؤسسة العسكرية والأمنية. وردا على هكذا انتقادات صرح البشير: “لو كل ميزانية الدولة تم تحويلها بنسبة 100% للقوات المسلحة لتأمين البلاد هي شوية عليها”.

أموال طائلة تم صرفها بلا رقابة ومحاسبة على ما يطلق عليه اسم “النظام” وهو في الواقع أخطبوط إسلاموي عسكري بسط أذرعه الطويلة في المجتمع عبر تحالفات بين الحزب الإخواني الحاكم، ومؤسسات الدولة والجيش والأمن والمخابرات وميليشياتهم، وطبقة مستفيدة في كل قطاعات الحياة من الصناعة والفلاحة والتجارة إلى التعليم والصحة والإعلام.

لا غرابة إذن في أن يدافع البشير ونظامه عن سطوتهم. ولا غرابة أيضا في أن ينتفض الشعب السوداني بعد أن جرب الصبر والكفاح المسلح وشارك في انتخابات مزيفة وتفاوض على طاولة حوار الصم بدون جدوى.

وعلى الرغم من القمع المسلح الذي يواجهه وغياب الحد الأدنى من الدعم العربي والدولي، فإن الشعب الذي قاد بنجاح ثورتين ضد نظام الجنرال ابراهيم عبود

( 1964) والجنرال جعفر النميري (1985) قادر على الإطاحة بحكومة “الكيزان”.

أما من يراهن على بقاء النظام فإنه لا يدرك بأن من ثوابت تاريخ السودان الحديث أن هذا الشعب يسترد في الأخير الحكم المدني كلما انقلب عليه العسكر.

عائشة البصري – إعلامية من المغرب، ناطقة رسمية سابقة باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد)