الخرطوم- دارفور24

«ظللنا ثلاثون عاماً نُعاديها بِعبارة (الموت لإسرائيل)، وغيرنا يقف في معاداتها عند خانة (ندين نشجب نستنكر)، ويحتفظ بعلاقة فوق الممتازة معها سياسياً وتجارياً، فلماذ تُريدوننا أن نكون عنوان العداء الشاذ في محيطنا الأفريقي والعربي والعالمي لها؟».. بهذ الرد كان التأييد السِمة السائدة لدى سياسيين ودبلوماسيين ومواطنيين، تحدثوا لـ(دارفور 24)، عن أبعاد لقاء جمع رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، في العاصمة كمبالا، الاثنين الماضي، برعاية الرئيس اليوغندي موسفيني، والذي تحفّظت عليه الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين) وسياسيون، بينما أيده آخرون منهم مبارك الفاضل، والقوات المسلحة.

وذهب البعض إلى أن البرهان، أعاد بزيارته دعوات ظلّت محل تحفظ لدى الأوساط السودانية لسنواتٍ طِوال، وهي طبيعة العلاقة مع إسرائيل والتي يُمكن أن نضعها بين قوسين في مفردة «تطبيع»، فكانت الزيارة المفاجئة بمثابة الحجر الذي أُلقي على بِركة ساكنة لتقديرات عِدة يغلب عليها الطابع الديني، والنظرة إلى طابع العداء المتطاول من جانب إسرائيل إلى شعب فلسطين، الأمر الذي جعل الساحة السودانية في حالة إنقسام بحسب رؤية البعض، والذين دللوا على ذلك بساعات الاجتماعات الطِوال التي أخذها مجلسي السيادة والوزراء لاستجلاء دواعي الزيارة وأبعادها وصولاً إلى حلقة متكاملة يُمكن إخراجها إلى الشارع المحلي والمحيط العربي والأفريقي والعالمي، بما يحفظ للدولة السودانية موقعها بين دول العالم، ويجعل الشعب السوداني يتبرأ منها أو يُباركها..

* سر الختم وسوار الذهب والبرهان

أبلغ السفير الطريفي أحمد كرمنو، (دارفور 24)، أن البرهان، لا يمتلك صلاحيات للقاء نتنياهو، باعتبارها حكومة انتقالية لها حدود، مستشهداً بحكومة الراحل سر الختم الخليفة الانتقالية، بعد سقوط إبراهيم عبود، ومدتها سنة وسلّم بعدها السلطة إلى حكومة منتخبة، بجانب حكومة سوار الذهب بسقوط جحفر النميري، وكان هنالك مجلس عسكري انتقالي مثل الوضع الحالي، وكان رئيس الوزراء حينها الجزولي دفع الله، مِثل الدكتور عبدالله حمدوك حالياً، والاختلاف أنه تم إعطاء البرهان ثلاثة سنوات ومن سبقه عام فقط، وفي هذه المدة لا يمتلك صلاحيات مصيرية، مثل فتح العلاقات مع إسرائيل والتطبيع، لأنها قرارات تتخذها حكومة منتخبة أو غير انتقالية.

واستغرب كرمنو، من حديث البرهان بان لقائه مع نتنياهو، بهدف  حفظ وصيانة الأمن الوطني وتحقيق المصالح العليا للشعب السوداني، قائلاً: «اسرائيل نفذت غارة جوية استهدفت مصنع اليرموك للاسلحة الواقع جنوبي العاصمة الخرطوم عام 2012، وقتلت مواطنين في تخوم البحر الأحمر، وأمريكا قصفت مصنع الشفاء، وحالياً منعت اللوتري عن السودان، وأوقفت إصدار تأشيرات الدخول للسودانيين، رغم ثورة ديسمبر وقيام حكومة جديدة».

وأضاف: «لا اعتقد أن أمريكا ستشطب إسم السودان من الدولة الراعية للإرهاب لأجل عيون إسرائيل، كما أنه في العُرف الدبلوماسي لا توجد حكومة تعطي بـ(بلاش)، اي يجب أن يكون لديك (الشيء بالشيء)، وعلى حكومة السودان أن تتعظ لأنه عندما وقعت اتفاقية نيفاشا وعدتها دول بينها أمريكا بأموال طائلة إذا فصلوا الجنوب، فوقع الإنفصال ولم تأخذ دولاراً واحداً، فقد أعطو بـ(المجان) وبالتالي لن يجدوا مُقابل».

ونصح الحكومة الانتقالية، بألا تأمن وألا تُفكر في العلاقة مع إسرائيل، كما يجب أن يكون للسودان موقف يساوم به، وعاد للتذكير بأن البرهان، لا يملك صلاحيات دستورية للتفاوض مع إسرائيل.

* إسرائيل ولاية أميركية

ورأى كرمنو، أن إسرائيل، تعيش كثيراً على (الفيتو والاقتصاد والسلاح الأميركي)، وهي إحدى ولايات أميركا خارج أميركا، كما أن واشنطن تدفع الكثير إلى إسرائيل بينما تأخذ الكثير من الدول العربية لأجل إسرائيل.

وقلل من الفائدة المالية من فتح الأجواء السودانية، لتحليق الطائرات الإسرائيلية المتجهة إلى أمريكا الجنوبية، لتوفير ساعات طيران في كل رحلة، والتي قال إنها رسوم قليلة، كما أن إسرائيل لا تمتلك اقتصاد يستفيد منهُ السودان، لكونها تعتمد على المعونة الأميريكية، وواشنطن تُريد ان تكون إسرائيل الأقوى عسكرياً بالمنطقة لضرب سوريا والعراق وتهديد إيران.

وقال إن الشارع السوداني منقسم تجاه خطوة البرهان، فهنالك من يقول لك إن الفلسطينيين ساكنين حالياً في فلسطين، وهُمّ من باع فلسطين، وبالتالي لماذا نحن نقف إلى جانبهم؟ كما أن هنالك دول عربية طبّعت وفتحت سفارات في إسرائيل، مثل مصر والأردن، وهنالك دول تعمل على استحياء علاقات مع إسرائيل، وبالتالي فإن مقاطعتها كما في السابق انتهت، وأصبح هنالك رأي عام مؤيد ومعارض للعلاقة معها.

* إمكانية التداول حول التطبيع

وفي السياق، قال القيادي في قوى الحرية والتغيير والأمين اللسياسي لحزب المؤتمر السوداني الماحي محمد سليمان، إن البرهان، طرق باباً يُمكن التداول حوله بما يحقق مصالح الشعب السوداني، والعدالة لكل المظلومين في الكرة الأرضية.

وأضاف أنه سيتم التداول حول ما بعد لقاء البرهان ونتنياهو، مؤكداً أن الخط العام داخل المؤتمر السوداني، أنهم مع العلاقات المتوازنة مع جميع الدول بما يحقق تطلعات الشعب السوداني ومصالح الشعوب الأخرى من غير أن يتضرر شعب.

وحول إثارة العاطفة الدينية، قال إن في اسرائيل عرب ومسلمين ويهود، وأن من يُريد التعايش يستطيع، وذلك بسن التشريعات والقوانين التي تكفل للجميع حقوقهم، كما أن في العلاقات الدولية لا مجال للعواطف بل تحكمها المصالح المشتركة، بحيث لا تؤدي هذه المصالح إلى الإضرار بجهات أخرى، كما أن اليهود مكثوا في دولة المدينة وإن كانوا قد أخذوا حق الفلسطينيين إلا أن ذلك يُمكن معالجته عبر المنظمات الدولية وجماعات الضغط السياسي، وجماعات حقوق الإنسان.

ورداً على لقاء (البرهان ـ نتنياهو)، قال إن العلاقات الدولية شائكة، وأن السودان لن يخسر خارجياً من هذا اللقاء، لأن جميع الدول العربية لها علاقات مع إسرائيل، سواءً كانت كانت مُعلنة أو مُستترة، كما أن هنالك سفارات لدول.

وحول استغلال عناصر في النظام البائد بزعامة المخلوع عمر البشير، لهذه الخطوة لتأليب الشارع ضد حكومة حمدوك، قال الماحي: «إلا يستغلوا العاطفة من أجل إسقاط الثورة والتغيير الذي تمّ، لكن حتى قيادات حكومة الإنقاذ البائدة وتحديداً بروفيسور إبراهيم غندور، قال في العام 2016، إن الخرطوم على استعداد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل رفع اسم السودان عن قائمة الدول الراعية للارهاب الامريكية، وإذا نكروا ذلك تكون لديهم (شزوفرينيا).

وأكّد الماحي، أن هنالك تأييداً واسعاً في مختلف الوسائط، مع رفض البعض، وموافقة البعض بشروط للقاء، مع وجود إنقسام في الشارع حول مسألة التطبيع رُغم أنها مسألة لم نصل إليها فقط يتم التداول حولها داخل أروقة الأحزاب وقوى الحرية والتغيير، وحتى يُمكن التداول حولها داخل الحكومة.

وقطع بأن العلاقة حالياً جيّدة بين مجلسي السيادة والوزراء، خاصةً وأن البرهان، أقرّ بأن هذه الخطوة تمت من غير عِلم مجلس الوزراء، وأن العلاقات الخارجية من اختصاص مجلس الوزراء، إلا أن مُبرره أنها مبادرة منهُ شخصية لإيجاد مخارج لمشاكل السودان ورفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعموماً فإن اللقاء لن يفت من عضد الحكومة والثورة».

* ثلاثون عاماً من العداء

من جانبه، ضرب المواطن عمر عبدالقادر يوسف أحمد كوكو، أمثلة لدول عربية وأفريقية تجمعها علاقات أكثر من ممتازة بإسرائيل، دون أن تؤثر تلك العلاقة بسيادتها، طارحاً تساؤلا مفاده «ثلاثون عاماً ظللنا نعاديها ماذا كسبنا؟ ولماذا لا نكون مثل دول كثيرة تقف في خانة (الإدانة) و(الاستنكار) و(الشجب) لاعتداءات إسرائيل حتى اليوم؟ هل من الصعب علينا إخراج هذه الثلاثة كلمات سابقة الذِكر؟.. لماذا نغرّد خارج سرب السياسة الدولية!!، وغيرنا من الدول في قمة الحضارة والتقدم والتنمية، ولك أن تنظر إلى دول أوروبا لن تجد دولة فيها تُعادي إسرائيل، وأنظر إلى أندونيسيا نسبة الإسلام فيها تجاوز (90%) ورغم ذلك طبّعت مع إسرائيل ولها تمثيل دبلوماسي عالي المستوى، فما الذي يمنع الخرطوم من أن يكون لها تمثيل دبلوماسي!!.

وأضاف: عليناً الابتعاد من التطرف الديني الذي أقعدنا ثلاثون عاماً، وعلينا أن (نُصاحبها) بهذا الفهم البسيط، حتى وإذا لم تخلق لنا استقراراً سياسياً واقتصادياً وتنمية، ولم تكن هنالك تجارة متبادلة بيننا، ولم تدعمنا تكنولوجياً، فقط يكفينا أن (نتكافئ شرّها).

ونصح كوكو، حكومة حمدوك، بمباركة خطوة البرهان، عاداً اللقاء بـ(الممتاز جداً)، ومضى قائلاً: «التطبيع في هذا التوقيت تحديداً أفضل ومناسب لنا من العداء الذي ظللنا عليه لثلاثة عقود ولم نُنجز من ورائه شيئاً، كما أن في اللقاء مصلحة للسودان، بغض النظر عن التطرف الديني.

واستشهد في رده للذين سيخرجون ليتحدثوا إلى الرأي العام تحت غطاء العاطفة الدينية، بدعوة الرسول (ص)، إلى الوسطية، وأن نكون شهداء على الناس لا وصايا عليهم، حيث رأى أن الوسطية أفضل من التطرف، كما أنك حين تُطبع مع اسرائيل أو أي دولة متحضرة يمكن ان تجني منها ثمار تكنولوجيا او حضارة، وبالتالي فِمن الأفضل كسبها عن معاداتها.

وأكد كوكو، أن السياسات الخارجية لا علاقة لها بالدين، ومضى متساءلاً: «هل سيخرج نتنياهو أو ترمب في تلفزيون السودان ليُطالبا الشعب السوداني بأن يعتنق الديانة اليهودية؟»، طبعاً لا، وعموماً يجب أن تكون سياستنا متوازنة.

وأشار إلى أن الجواز السوداني هو الوحيد في العالم الذي تجد مكتوباً عليه (كل الدول عدا اسرائيل)، مما أحدث عداء سافر، فكان قصف مصنع الشفاء ومدرعات الشجرة وعربات في البحر الأحمر، ولذلك علينا أن نكون (رأس لا ذيل)، وذلك بالذهاب الى اسرائيل طالما جاءت إلينا بطريقةٍ ما وتُريد علاقة متوازنة، لأنه عندما نُصالحها نتجنّب ضرباتها المتتالية إلينا ودعمها لمن يعادينا، وبالتالي نكون قد قطعنا ذلك الرأس الذي ظلّ يُعادينا وحققت سلام.

* لقاء كان منتظراً

بدوره قال المواطن الصادق صديق الصافي، إن اللقاء كان منتظراً مُنذ فترة طويلة وإن كانت الطريقة التي تمّ بها غير مقبولة نهائياً إلا أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، ستجعلنا نخطو إلى الأمام كباقي الدول.

وأضاف: « عندما تتحسّن العلاقات مع إسرائيل فهذا يعني تلقائياً إكمال السلام بِحُكم علاقاتها ببعض الحركات المسلحة، وبالتالي فإننا نحتاجها لكونها تمتلك قرار رفع العقوبات عن السودان وليس أمريكا لأن أهم شأن لواشنطن هي إسرائيل».

وتابع: «اختلافنا مع اليهود دينياً لا يفسد لود التطبيع قضية، وموقفنا من احتلال فلسطين معروف للجميع، وأما تعاطف بعض مواطنينا مع احتلال إسرائيل لفلسطين فالأولى به أن يتعاطفوا مع سودانهم وهو محتل من مصر في حلايب وشلاتين ومحتل أيضا من اثيوبيا في الفشقة».

وزاد: «عندما مات محمد الدرة وبقية الفلسطينيين خرجت جموع الشارع السوداني ونددت وشجبت، وعندما مات خيرة شباب السودان في القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة، لم يحرك فلسطينياً ساكنا».

وأكّد الصادق، أن استثمار السودان لتلك العلاقة جيداً  يعني نهضة الزراعة بأحدث التكنولوجيا ، وحوسبة الحكومة إلكترونياً والمساهمة في رفع الدعم العسكري لامتلاك اسرائيل منظومة عسكرية كبيرة.

* نحترم الأديان وحباب النافع

من جانبه، رحّب المواطن مازن إسماعيل، باللقاء إذا كان لاجل خلق تبادل تجاري وفائدة للسودان، لافتاً إلى أن هنالك دول لها علاقا تجارية مع اسرائيل، مستشهداً بتركيا، التي قال إن جميع منتجاتها تجدها تُباع في إسرائيل، والعكس بالنسبة للمنتجات الاسرائيلية، أي أن هنالك تبادلاً تجارياً بينهما بغض النظر عن اختلافاتهما الدينية.

ولم يستبعد مازن، أن يكون البرهان، يُخطط للسير بذات نهج دول أخرى، بأن يكون هنالك تبادل تجاري من شأنه تحسين الاقتصاد السوداني والاستثمارات، ومضى قائلاً: «(حباب النافع)، مع احترامنا لحريات الأديان»، مستشهداً بالتبادل التجاري في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ورأى أنه لا حرج بشأن اللقاء طالما أن كان للمصلحة العامة.

وأضاف: «في قريتك أو وسط أهلك وأصدقائك هنالك اختلافاً في الانتماءات، لكن تجمعنا المصلحة العامة، وأننا في الآخر أهل أو جيران لا نقاطع بعض، بل نأخذ الجانب الإيجابي، ونترك الأشياء الخاصة، ولذلك أنا ضد مقاطعة إسرائيل، فتلك حريات يحاسبهم عليها ربنا».