الجمعة, أغسطس 14, 2020
قضايا و آراء

السوق السياسي: جغرافيا فساد الإنقاذ كما كشفت عنه لجنة إزالة التمكين

الدكتور عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

جاءت كشوف لجنة إزالة التمكين أمس بجغرافيا للمال في دولة الإنقاذ ربما أدهشت نصيرها ناهيك عن خصمها. فما أزاحت اللجنة عنه أمس ليس فساداً كما تجري العبارة بل ديناميكية لنظام لا قيام له إلا به. فالتصرفات المالية التي وقفنا على جغرافيتها في الدولة ليست فساداً بل هي عصب النظام نفسه. وكنا تغضينا عن النفاذ إلى هذا العصب لنظرتنا ل”لغف” صفوة الإنقاذ المال العام كسقطات أخلاقية استكثرناها ممن تذرع بالإسلام.

كان دمغ النظام بالفساد (المستغرب من آيات الله مسلمين) وجهاً من معارضة محدودة لم تكلفنا النفاذ إلى عصبه، ومكامن قوته، واستطالته الوخيمة فوق سمائنا. وكنت دعوت مراراً إلى إن نخضع النظام للنظر المقارن مع النظم السياسية لأفريقيا لنرى نسبته إليها. وكان ذلك مستحيلاً لعقيدة المعارضة أن افريقيا عن بكرة بخير إلا رجلها المريض وهو السودان الذي لا له شبيه ,لا له مثال في سوء الحكم.

نبهني صديق على الصفحة هو طارق الأمين بخيت إلى ورقة بقلم الدكتور ألكس دي وال الباحث المعروف في شأن دارفور والسودان عن مفهومه ل”السوق السياسي”. وقال إن المفهوم منطبق على نظام الإنقاذ. وليس هذا ببعيد فمفهوم السوق السياسي مما طرأ لألكس دي وال من دراساته في شرق أفريقيا ومنها السودان بالطبع.

ولا أريد أن أطيل واكتفي بتعريف المفهوم وأترك للقارئ مراجعته على ما سمعه أمس عن الحاكم والصفوة السياسية الإنقاذية.

نظام السوق السياسي

نظام السوق السياسي هو نظام للحكم يُدار على معاملات يقع خلالها تبادل الخدمات السياسية والولاءات لقاء مقابل مادي في إطار صراعي للطبقة السياسية. فلأجل كسب التأبيد يساوم الحاكم أفراد الصفوة السياسية عن كم عليه أن يدفع عداً نقداً، أو بتوفير المداخل لحيازة موارد مغرية مثل العقود. ودالة هذه الصفوة على الحاكم هي ملكاتهم في حشد الجماهير من حوله، ورص الأصوات له، وألحاق الأذى الجسيم بخصمه.

وتجري إدارة النظام على وفق عمليتين هما “الميزانية السياسة” و”ثمن الولاء”.

الميزانية السياسية

فالميزانية السياسية هي تلك الأموال التي يمتلكها سياسي له مطلق التصرف فيها والتي غالباً ما ينفقها على استئجار الولاء له، وشراء الخدمات السياسة ممن حوله. وبالطبع يمكن له أن يثرى منها ما شاء أو أن ينفقها على منشآت باذخة. وهذه الميزانية السياسية ليست فساداً لأن المال فيها يعاد تدويره خلال نظام الكفيل-الزبون، وكذلك لأن الطبقة السياسية تعده مالاً حلالاً.

ثمن الولاء

أما “ثمن الولاء” فهو سعر السوق المطلوب ليقع الولاء لحاكم وللتعاون معه، أو لأداء خدمة سياسية بعينها. وعليه فالمهمة المقدمة على ما عداها لرجل الأعمال السياسي (الحاكم) أن يوظف ميزانيته السياسية بصورة فعالة قدر الإمكان ليؤمن لنفسه البيعة السياسة الكافية من الصفوة للحفاظ على حكمه.

ذيل

لم يسعدني انتقال تلفزيون السودان من مؤتمر لجنة إزالة التمكين إلى عرض مسرحية ما. تمنيت لو أعد مع اللجنة منبراً للتعليق على مجريات اليوم. من جهة أخرى رغبت لو جرى خلال المؤتمر عرض بالفيديو لبعض مقار مؤسسات السوق السياسي ومفردات فاسدة أخرى مثل البصات والطائرة الميمونة. واقترح على صديق في بلدتي هنا أن ترتب اللجنة لقيام متحف لمباذل الإنقاذ مثل ما ورد بالأمس. واستصوبت الفكرة بالذات حين رأيت من يعرض صورة لنميري مزهواً. فلو وثقنا لفساد نظام سوق المخلوع السابق نميري السياسي بمعرض لما تجاسر المزهو به إلا سفهاً.

اترك تعليقاً