تحقيق:دارفور 24

عانى المعتقلون داخل سجن سوبا بولاية الخرطوم خلال شهر رمضان الماضي/ابريل 2022, من أوضاع قاسية للغاية جراء انتهاج إدارة السجن التجويع  بتقديم وجبات ردئية وقطع التيار الكهربائي لساعات طويلة ومتواصلة مصحوبًا بندرة في المياه الصالحة للشُرب كعقوبة.ما تسبب في اصابة عدد من المعتقلين بأمراض نفسية وجسدية لم يتعافى بعضهم منها حتى الآن.

بوابة سجن سوبا، الجريف غرب

ويشهد السودان احتجاجات متواصلة رافضة للانقلاب الذي نفذه القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان أواخر أكتوبر الماضي مطيحا بتحالف الحرية والتغيير من السلطة والزج بقياداته في السجون بعد أن أعلن حالة الطوارئ وحل مجلسا السيادة و الوزراء وتعطيل معظم بنود الوثيقة الدستورية.

وكانت  السلطات الامنية شنت حملة اعقتالات واسعة، في شهر ابريل الماضي،  طالت العشرات من أعضاء لجان المقاومة بالخرطوم.

بيت أشباح

في تمام الساعة الواحدة صباحًا منتصف ليلة الـ(7) من فبراير 2022 اقتحمت قُوة أمنية مدججة بالسلاح منزل الشاب معتز محمد بشير بمدينة أمدرمان مخلفة حالة من الرعب وسط أفراد أُسرته.يقول في حديثه لـدارفور 24 : تعرضتُ للاعتقال بطرق مهينة للكرامة الانسانية عدة مرات منذ الانقلاب العسكري في الـ25 من اكتوبر 2021م. انتزعني افراد يتبعون لجهاز الأمن من بين يدي والداي اللذان حاولا منع الاعتقال فرموا بهم ارضًا وزجوا بي داخل عربة (تاتشر) ومضوا مسرعين. ويتابع : أُعاني من اضطرابات نفسية جراء ماحدث لأُسرتي أثناء اعتقالي.

مكث بشير داخل سجن سوبا الاتحادي جنوبي العاصمة الخرطوم خلال فترة اعتقاله الأولى منذ الـ(7 وحتي 21) فبراير من العام الجاري (15) يومًا,ومن ثمة أُطلق سراحه ليُعتقل مرة أخرى في الـ(14) أبريل وحتى الـ(22) منه،أيّ أنه مكث (9) أيام في اعتقاله للمرة الثانية (8) أيام منها في رمضان المنصرم.واصفًا المبني الذي تم إفتتاحه في 20 يونيو 2021م الماضي ليسع (3.600) ـ وفقًا لتصريحات صحفية سابقة أدلى بها مدير السجن العميد شرطة محمد حسين سنادة ـ بـ(بيت أشباح ضخم).وأضاف: يتكون السجن من (10) أقسام داخل كل واحد منها (4) عنابر سعة الواحد منها (80) شخصًا،هذا اضافة لمساحة خارجية واسعة تتوسطها مظلة مصنوعة من الحديد.

 

.

اضراب عن الطعام

تُقدِم إدارة السجن وجبتان سيئتان للغاية للمعتقلين تفتقر لأي قيمة غذائية ماجعل عدد منهم يدخلون في اضراب عن الطعام قاد إلى تدهور اوضاعهم الصحية خاصة أصحاب الامراض المزمنة وامراض المعدة. يقول بشير في تكملة حديثه لـدارفور 24 : تسبب تزايد أعداد المعتقلين داخل السجن منذ الانقلاب العسكري في تدني الخدمات حيث كان يتم تقديم وجبتان في اليوم،أولهما الساعة الواحدة ظُهرًا والثانية بعد صلاة المغرب مباشرةً وهذه تمثل في شهر رمضان وجبة الافطار. ويتابع : سُوء الوجبة المقدمة حيث تحتوي على نسبة عالية من التوابل الحارقة والملح حتى ظننا أن الأمرمقصود،اجبر مرضى الامراض المزمنة كـ(الضغط والسكري) وأمراض المعدة والقُرحة على الامتناع عن الطعام لفترة طويلة كنوع من الاحتجاج. هذا اضافة إلى اصابة بعض المعتقلين بـ(جرثومة المعدة) بسبب المياه غير الصالحة للشُرب.ويرى أن سوء الوجبة المقدمة للمعتقلين الهدف منه اجبارهم على الشراء من (بقالة) داخل السجن تعد واحدة من استثمارات الشرطة السودانية وهي تحتوي على كافة السلع ولكن بأسعار مضاعفة فإذا كان سعر قارورة المياه في الخارج بـ(200) جُنيه تُباع في الداخل بـ(500) جنيه وهو حد تعبيره  انتهاك أخر ارتكبته إدارة السجن في حق المعتقلين.تخلو وحدة الرعاية الصحية داخل سجن سوبا من الأدوية المنقذة للحياة ومع ذلك تُماطل وحدة جهاز الأمن في البت في البلاغات المستعجلة حال تدهورصحة أحد المعتقلين،ويروي بشير نماذج عديدة لمعتقلين عانوا من وعكة صحية مفاجئة داخل العنابر تطلبت اسعافهم على وجه السرعة بيد أن ادارة السجن تعاملت ببرود تام مع هذه الحالات فيما يٌشبه التشفي والتمادي في التعذيب.يقول : “مشاهدة احد المعتقلين يصارع الحياة بينما يتماطلون في اسعافه مشهد مؤلم للغاية”.

معتقل سابق: “يوجد داخل السجن (بقالة) تباع فيها كافة السلع للمعتقلين بأسعار مضاعفة وتعود ارباحهها للشرطة”

 

اعتقالات عشوائية

استيقظت أُسرة المهندس ( ح ـ م ) الثانية صباح الـ(11) من فبراير 2022  على اصوات مٌداهمة قوة أمنية ملثمة مكونة من (15) فرد تقود (8) سيارات منزلهم بأمدرمان.يقول وهو معتقل سابق في سجن سوبا لـ(12) يومًا حيث تم اطلاقه سراحه في الـ22 من فبراير الماضي،في حديثه لـدارفور 24 إن القُوة المنفذة للاعتقال أخبرته بأنها قوة مشتركة مشكلة بقرار سيادي ثم اقتحمت غرفة نومه واستولت على هواتف نقالة وجهاز (لابتوب) خاص به واقتادته على متن عربة تايوتا دفع رباعي معصوب العينين حيث تعرض للضرب بواسطة (العصي،الخراطيش،وأحذية البُوت).نفذت القوة الأمنية ذلك اليوم حملة اعتقالات واسعة استهدفت شباب يقطنون في عُدة مناطق من مدينة أمدرمان وتم تسليم المعتقلين لسجن سوبا الساعة السابعة صباحًا. يقول (ح) : وجدتُ داخل السجن اشخاص لا علاقة لهم البتة بالحِراك الثوري المشتعل منذ انقلاب الـ25 من اكتوبر،بينهم رجال طاعنين في السن،علمتُ لاحقًا أنه تم اخذهم كرهائن بدلاُ عن ابنائهم عندما عجزوا عن اعتقالهم،وهناك أيضًا جنسيات غير سُّودانية بينهم شاب صومالي وأخر اثيوبي مايؤكد أن هذه الاعتقالات تتم بصورة عشوائية وغير دقيقة.

 (12) في الجحيم

يصف (ح) فترة اعتقاله داخل سجن سوبا بـ(الجحيم) والسيئة للغاية والخالية من معينات الحياة في سقفها الأدني. يقول لـدارفور 24  : “كنتُ أكل لأعيش”وقد تسببت الوجبة المقدمة في اصابة عدد من المعتقلين بأمراض مختلفة،هذا اضافة لانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة مع ارتفاع درجات الحرارة داخل (العنابر) وقِلة المياه التي إن وجدت فهي غير صالحة للشُرب.لافتًا إلى أن الأمر برمته يندرج تحت بند التمادي في تعذيب المعتقلين بالطرق المختلفة.وأكد ماأدلى به المعتقل معتز محمد في افادته انفة الذكر حول اسعاف الحالات المرضية المفاجئة بقوله :” كان المعتقلين حال وجود حالة مرضية تستوجب اسعافها يطرقون على الابواب بقوة وينادون على الحُراس بأصوات عالية بيد أنه يتم التعامل معهم ببرود تام وتماطل واضح لحين رفع البلاغ إلى جهاز الأمن والسماح بدوره إلى نقل المريض إلى وحدة الرعاية الصحية الخالية إلا من البندول ويظل المعتقل المريض على الأرض لايُحرك ساكنا”.مٌشيرًا إلى أن كافة الانتهاكات ضد المعتقلين الهدف منها انهاكهم نفسيًا وجسديًا تمهيدًا للتحقيق معهم داخل السجن من قبل جهاز الأمن وقد تم فصل (20) معتقل من أصل (120) في (عنبر) واحد للتحقيق معهم وهؤلاء يقول  “عاشوا أيامًا قاسية” مقارنة ببقية المعتقلين.

تعذيب وحشي

في طريقه للمشاركة في مليونية إحياء ذكرى الـ(6) من أبريل ـ الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير في 2019م ـ اعترضت قوة أمنية طريق الشاب علي المقدم (إسم حركي) وأجبرته على الترجل مِنها واقتياده مباشرةً إلى مقر استخبارات المدرعات حيث تعرض لتعذيب وحشي كاد أن يودي بحياته.يقول لـدارفور 24 : “تم نقلي وأنا على حافة الموت إلى مكاتب للتحقيق داخل مقر القيادة العامة للقوات المسلحة حيث مكثنا ليلة كاملة نقلتُ بعدها إلى سجن سوبا بمعية أخرين”.

التعذيب الذي تعرض له أثناء الاعتقال تسبب في اصاباته بمشاكل في السلسلة الفقرية ومنطقة الركبة تستوجب اجراء عملية جراحية ولكنه يرأ أنه كان أفضل حالاً مقارنة بأوضاع بعض المعتقلين في سجن سوبا.مضيفًا وجدتُ (4) معتقلين داخل السجن مصابين بجروح خطيرة وعلمتُ منهم أن أفراد يتبعون لقوات الاحتياطي المركزي،تُعرف محليًا بـ(أبو طيرة) ـ سكبت على أجسادهم الـ(البليلة) الساخنة وهي على النار.هذا اضافة لمجموعة أٌخرى تعرضت للتعذيب بالحرق داخل عربة  “تايوتا” دفع رباعي أثناء الاعتقال،ومصابين أخرين تعرضوا للضرب بـ(العِصي،الخرطوش،أحذية البوت).

مظاهرات موكب ٦ ابريل

” معتقل سابق : اصابة 4 معتقلين بحروق خطيرة جراء سكب قوات الاحتياطي المركزي (البليلة) الساخنة على اجسادهم مباشرة”

يري المقدم إن اجبار المعتقلين على الخروج من العنابر الواحدة ظهر كل يوم خلال شهر رمضان الماضي إلى مظلة خارجية مصنوعة من الحديد ذو الحرارة المرتفعة دون أن يكون هُناك سبب واضح والتباطؤ في اسعاف الحالات المرضية المفاجئة وتقديم وجبات سيئة لا تسد جوع تنصب جميعها في خانة التشفي والتعذيب الممنهج ضد المعتقلين.

 

جرائم ضد الانسانية

تقول عضو لجنة محامو الطوارئ إشراقة عثمان إن الوجبة المقدمة للمعتقلين خلال شهر رمضان الماضي والمكونة من عصير (الكركدي) و(البلية) لا تتناسب مع طبيعة الشهر الفضيل ولا حقوق الإنسان،ومشيرة في حديثها لـدارفور 24 إلى انتهاج إدارة سجن سوبا التجويع لمعاقبة المعتقلين وأن ماحدث يرتقي للجرائم ضد الانسانية.

المحامية اشراقة عثمان

وأضافت  تصر إدارة سجن سوبا على إنكار صحة مايحدث من انتهاكات ضد المعتقلين وتؤكد أن الاوضاع داخل السجن سليمة تمامًا ولاتشوبها أي مخالفات وهذا مايدحضه المفرج عنهم والذين قالوا في افاداتهم للجنة إنه وفي حال أصيب أحدهم بوعكة صحية مفاجئة لا يجد الرعاية الصحية الكافية وتخلو وحدة الرعاية الصحية داخل السجن من كل شيء عدى حبوب “البندول”.وتشدد” عثمان ” على أن ماحدث للمعتقلين داخل سجن سوبا خلال شهر رمضان المنصرم كارثة حقيقية وانتهاك لحقوق الأنسان المتعارف عليها دوليًا . حيث عاني المعتقلين أغلبهم من عضوية لجان المقاومة عقب اطلاق سراح اعضاء لجنة ازالة التمكين من تردي الأوضاع وسوء الخدمات وفي مقدمتها الوجبة العذائية.

كاشفة عن تعرض معتقل للتعذيب داخل السجن والحرق في مناطق حساسة من جسده ماتسبب في اصابته باضطرابات نقسية حادة تفاقمت مع رفضه عقب الافراج عنه العلاج النفسي رغم محاولة الأطباء اقناعة. هذا اضافة إلى اصابة عدد من المفرج عنهم بإضطرابات في الكُلى والبول بسبب المياه غير الصحية وقلة الكمية الممنوحة. بينما تستحوذ الصدمة النفسية على أغلب المفرج عنهم بسبب التعمد في الإذلال منذ الدقيقة الأولى من الاعتقال والضرب المبرح وحلاقة شعر الرأس عشوائيا والاجلاس داخل عربة “التاتشر” لساعات طويلة.

عضو لجنة محامو الطوارئ : “اصابة معتقل داخل سجن سوبا بإضطرابات نفسية جراء تعرضه للتعذيب بالحرق في مناطق حساسة من جسده”.

الشرطة ترفض الرد

بتاريخ 11/ يونيو الجاري سلمت الصحيفة خطاب إلى المكتب الصحفي للشرطة جاء فيه : ” نرجو افادة الصحيفة حول اوضاع المعتقلين داخل سجن سوبا خلال شهر رمضان الماضي،وما مدى صحة انتهاج ادارة السجن التجويع لمعاقبة المعتقلين خلال الفترة المحددة اعلاه ” ولم نتحصل على أي رد حتى تاريخ نشر التحقيق.