كتب: حسين سعد

الحرب في السودان – كما في جميع الحروب – لم تكن مُحايِدة؛ فقد أنشبَتْ أظفارها في الجميع، لكنها بَدأت بالنساء السودانيات أولاً، وبأقسى الطرق. لم تكن النساء مُجرَّد ضحايا ثانويات، كما يُقدِّمُهُنَّ الخطاب السياسي، بل صِرْنَ ساحاتِ حربٍ ومسرحَ انتهاكاتٍ؛ وكذلك خطوطَ إمدادٍ للحياة في الوقت نفسه. وسط هذا الخراب أثبتت النساء السودانيات، أنهنَّ العمود الفقري للبقاء، وأنَّ إعادة بناء السودان أخلاقياً وإنسانياً لن تتحقَّق من دون أن تكون المرأة في مُقدِّمة الصفوف. هذا المقال مُحاولة لتوثيق ثمن الحرب الذي دفعته النساء، وكيف يُمكن أن يَتحوَّل الألمُ إلى قُوّة، والجرح إلى مشروع لإعادة تأسيس المجتمع، ويَجعلنا نطرح سؤالاً لم يُطرح بعدُ بجِدِّيَّة: هل يُمكن بناء سلامٍ مُستدامٍ من دون النساء؟

إن الإجابة القاطعة، وبجميع المعايير الأخلاقية والسياسية والإنسانية هي: لا، ليس لأن العدالة تتطلَّب ذلك فحسب، وإنما لأن النساء هُنَّ القاعدة الحقيقيَّة للسلام، وهُنَّ من صَنَعْنَ الحياةَ في زمن الحرب التي نَشَبَتْ على أجسادهنَّ؛ فعندما يُقال إن النساء دفعن الثمن الأكبر، فهي ليست عبارة إنشائية، إنما حقيقة قاسية لها وجوه كثيرة.

إذن، علينا أن نفهم هذا الدور العميق، ولماذا يَستحيل بناءُ سلامٍ في السودان دون النساء؟ وكيف يُصبح تمكينُ المرأة حجرَ الزاوية في أي مُستقبل مُستقر؟

 لَسْنَ أرقاماً للضحايا فقط

في كُلِّ حربٍ يَشهدُها هذا العالم، توجد حقائق تُدفن تحت الركام، لا تُكتب ولا تُقال. وفي السودان، منذ اشتعال الحرب منتصف أبريل 2023م، بَقِيَتْ الحقيقةُ الأشدّ قسوة تَهمِسُ من خلف النيران والدخان؛ وهي أن النساء السودانيات دفعن ثمن الحرب الأكبر، ومع ذلك يُتْرَكْنَ خارجَ صناعة السلام، ويُستدعَيْن بوصفهنَّ ضحايا في التقارير، أو أرقاماً في الإحصاءات، أو باعتبارهن قصصاً حزينة في نشرات الأخبار؛ لكن عندما يحينُ وقت الجلوس على طاولة مُفاوضات السلام، يَختفي حضورُهنَّ فجأة، كأن الحرب لم تمر على أجسادهنّ، وكأن الخرابَ لم يَسْكُنْ بيوتَهن، وكأنهنَّ لم يحملن البلادَ على ظهورهنَّ طوال شهور النزوح والجوع والموت والاعتقال، وغيرها من تداعيات الحرب الكارثية التي دمَّرت مؤسسات الدولة والخدمات والمدارس، والمُستشفيات، والأسواق، وحتى القيم الأخلاقية التي كانت تُمسك بالنسيج الاجتماعي.

شيءٌ واحدٌ في نسيج المجتمع بَقيَ واقفاً رغم الإنهاك: المرأة؛ ليس لأنها خارقةٌ أو لا تتألَّم، بل لأنها آخر من ينهار في مجتمع تربّى على أن (ست البيت) هي (عمود المنزل)، ثم اكتشف الجميع خلال الحرب أن (ست البيت) هي عمود الوطن كله.

عندما اندلعت لَعْلَعَةُ الرّصاص في الخرطوم، وتحوَّلَتْ مدن دارفور وكردفان إلى ساحات موت، وامتلأت الجزيرة بالنازحين، لم تتصدَّ لذلك لجانُ التفاوض ولا الجنرالات ولا السياسيون، بل ظهرَت النساء السودانيات يقدِّمْنَ الطعام والدواء للجميع، أطفالاً وكبارَ سِن وشباباً وكهولاً، ويَقُدْنَ المُبادرات. إنه سلام يوميُّ، غير مرئيٍّ، أو قل غير مُعلن، لكنه يَمنع المجتمع من الانهيار الكامل.

جسد يتحول إلى ساحة معركة

خلال هذه الحرب الكارثية تحوَّلَتْ أجساد النساء إلى ميدان مَعركة، واستُخدم العنف الجنسي سلاحَ حرب. لم يكن الاغتصاب خلال الحرب، مُجرَّد انتهاك فردي، إنما ممارسةٌ مُمنهجةٌ استُخدمت لكسر المجتمعات، ولإذلال الأسر، وتفكيك الروابط الاجتماعية؛ وكان جزءاً من استراتيجية سيطرةٍ وترهيبٍ تُمارَسُ لتمزيق النسيج الاجتماعي وإهانة الجماعات المحلية؛ لكن المرأة التي تحمَّلَ جسدُها هذا العنف، تَحملُ أيضاً نظرةَ المجتمع، ولوم الأسرة، وصمْت المُؤسَّسات. إنها جريمة لا تنتهي عند الفعل، بل تستمرُّ آثارها الاجتماعية والنفسية سنواتٍ طويلة.

في حياة النزوح والتشرد، كانت المرأة آخر من يأكل وأول من يَقْلق. وبحسب تقديرات لمنظمات عالمية، فإن أكثر من 70% من النازحين في السودان نساء وأطفال. وفي معسكرات النزوح، فإن المرأة التي تقف في الصفوف الطويلة للحصول على الماء والغذاء، هي التي تبني الخيمة وتطبخ فوق النار وتحرس الأطفال وتُحاول تعليمهم، وأن تخلق حياةً من لا شيء: يطبخن، يحمين الأطفال، يبحثن عن الماء، ولم يُعطَين وقتاً للحزن.

إن انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، جعل من الأمِّ طبيبةً ومُعلّمة، ووجدت النساء أنفسهن مُضطرَّات لأداء أدوارٍ لم يُخطِّطْنَ لها، بما في ذلك تحمّل تكاليف المعيشة وسبلها، في ظل انقطاع الرواتب وفقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار. هذا الاقتصاد الصغير، الذي يُنشِئْنَه ويُدِرْنَه النساء في السودان خلال الحرب، هو الذي يمنع آلاف الأسر من الانهيار.

كذلك انخرطت النساء في المبادرات المجتمعية الطوعية، في إعداد الطعام وتوزيعه وتوفير الدواء، ليُشكِّلن صورة اقتصاد إنساني يَنمو في قلب الحرب، تقوده النساء بلا خُططٍ ولا تمويل، لكن بدافع النجاة الجماعية، وتحمُّل الضغط النفسي وصدمات فقدان الأهل والمُمتلكات.

 صانعات سلامٍ غير مرئيات

على الرغم من أن النساء دفعْنَ الثمنَ الأكبر، فقد أظهرن في جميع المراحل قدراتٍ فائقةً على تحمُّل مسؤولية إعادة بناء ما دمرته الحرب، ليُثبتن أنهن صانعات سلام غير مرئيات في القرى والمدن. من دارفور إلى كردفان والجزيرة والخرطوم، وسنجة وجميع أنحاء السودان، شهدنا إنشاء النساء مبادرات في التكايا والمطابخ، ودعم النازحين الجدد، وتنظيم مبادرات تُعيد الروح إلى مجتمع مُنهك. لم تَكن أفعالاً بسيطة، إنها بُنى تحتية للسلام لا تعترف بها الدولة ولا اتفاقيات السلام أو جلسات التفاوض.

 في طليعة الحراك المدني، كانت النساء في مُقدِّمة المواكب والمُبادرات، ولجان المقاومة وتوثيق الانتهاكات. إن هذا الحضور السياسي والاجتماعي، لهو دليلٌ على أن المرأة ليست (كوتة)، بل ركيزةٌ لإعادة التأسيس السياسي، والنساء – بحكم أدوارهن اليومية – هنّ الأكثر قدرة على إعادة ربط العلاقات، وبناء جسور الثقة، ورعاية الأطفال المُصابين بالصدمات، وخلق مساحات سلام داخل الأسرة والمجتمع. إنهن يصنعن سلاماً يبدو صغيراً، لكنه أساسٌ لأيِّ سلام كبير. وإنْ كان المجتمع والقوى السياسية جادَّيْن في تقوية أدوار النساء ليَقدن إعادة الإعمار، فإن ذلك لا يتحقَّقُ بالشعارات، بل بسياسات واضحة. أولاً بالبدء من النساء، والاعتراف بالانتهاكات، وجبر الضرر، وتوثيق العنف الجنسي علناً، وبنحوٍ يحمي الناجيات، وإشراكهن في تصميم البرامج التي تخصُّهن، وتقديم الدعم النفسي والقانوني لهنّ، وإدماج النساء في جميع مراحل التفاوض والسلام.

لا يمكن أن يستمرَّ السلام حبيس الفنادق والمفاوضات المُغلقة بين الرجال، بل يَتعيَّن أن يتكثَّفَ حضورُ المرأة في لجان وقف إطلاق النار، وفي مفاوضات الحل السياسي، وفي إدارة الإغاثة وإعادة الإعمار، فوجود  النساء ليس تمثيلاً رمزياً، بل ضرورة لبناء دولة عادلة.

يُنبِّهُنا هذا الواقع إلى ضرورة الاستثمار في اقتصاد المرأة وتمويل مشاريع صغيرة للنساء، والتدريب المهني للأرامل والنازحات، والدعم في مجالات الزراعة، والحرف، والصناعات الغذائية، وإنشاء شبكات التضامن المالي المحلية، لأن المرأة التي تتحرّر اقتصادياً تُسهم في استقرار المجتمع بأكمله، وتنفيذ جلسات دعم نفسي وبرامج للتعافي من الصدمات.

سلام هش وقابل للانفجار

لم تستوعب تجارب السودان السابقة في توقيع اتفاقيات السلام العديدة النساءَ أو قضاياهن، وهُنَّ الضحايا الأكثر تعرُّضاً للانتهاكات، وغيابهنَّ من طاولة التفاوض يعني أن قضايا العنف الجنسي، والمفقودين، والعدالة الانتقالية، وحماية المدنيين؛ ستظل ملفات مُهمّشة.

إن توقيع اتفاقيات سلام دون معالجة تلك الجراح؛ تُنتج سلاماً بلا ثقة وبلا عدالة. عشرات الآلاف من النساء تعرَّضْنَ للعنف الجنسي والضرب والإهانات والتهجير، فكيف يمكن لسلامٍ لا يُصغي إلى أصواتهنَّ أن يُكتب له الاستمرار؟ فالسلام دون مجتمع يحميه ويعضده، يَفقد أعمدته الأساسية – وأحسب أنهن صميم هذه الأعمدة – وكذلك يَفقد قدرته على الاستقرار.

إن أي سلام لا يُبنى على استقرار اجتماعي، مُهدّدٌ بالانهيار فورَ توقيعه. لدينا العديد من الدروس والعبر السابقة التي كانت تمنح النساء مقعداً أو اثنين في مفاوضات السلام السابقة، للزينة والتصوير الإعلامي فقط، ثم يعود صناع الحرب ليمسكوا بالمشهد وحدهم. هذا تزوير للواقع، يُصوِّر النساء ديكوراً في الصور التذكارية.

إن المطلوب هو تضمين النساء في جميع مراحل العملية السياسية السلمية: جلسات التفاوض، ومراقبة التنفيذ، ووضع ضمانات الحماية، وصياغة الاتفاقيات، وتصميم العملية السياسية، والتخطيط لإعادة الإعمار، وبناء مؤسسات الحكم المحلي، وإدارة العدالة الانتقالية؛ فالنساء شريكات في السلام، لأنهنّ شريكات في الألم وفي إعادة بناء الحياة؛ فالسلام ليس فصلاً سياسياً، بل مشروع حياة. وحين يتوقف الرّصاص، يبدأ العمل الحقيقي، وهُنَّ أول من ينهض لإعادة ترتيب الفوضى، وتحقيق السلام وإعادة الإعمار. حطَّمَت الحرب كُلَّ شيء، لكن النساء حفظن ما تبقى من الروح السودانية.

لا سلام بلا نساء

 إذا كان للسلام أن يتأتَّى، فلن يتأتى قطْعاً من فوهة بندقية، ولا من اتفاق يُوقِّعه رجال الحرب، بل من يد امرأة سودانية تُمسك بطفلها، وتنهض من وسط الرماد، وتقول: هذه البلاد ما زالت تستحق الحياة؟ هذا ليس كلاماً عاطفياً، بل واقع سياسي، وإنساني. سلام بلا نساء هو سلام بلا مستقبل. لن يولد سلام السودان من البندقية، ولا من الفنادق، ولا من بيان سياسي. يُولد السلام الحقيقي من مطبخ خيري تقوده امرأة، أو من صف طعام تصبر فيه امرأة، من معسكر أو مركز إيواء تُنظّمه امرأة، أو من صف تعليمي تصنعه امرأة، ومن حياة تُعيد صياغتها امرأة.

إن السلام الحقيقي ليس في التوقيع على الورق، بل بنساء يجدن في الألم طاقة، وفي الخراب فرصة لإعادة البناء، وفي الهزيمة وعداً بالمستقبل، وعندما يَستقيم هذا العمود يستقيم الوطن كله. إنهن العمود الفقري للمجتمع وللسودان أجمع.

:::

:::