كتب: الأصمعي باشري

حين أُعلنت هُدنةٌ في أواخر مايو 2023، كنتُ عالقاً في شمال بحري، وانتظرتُ أن يَلتزم طَرَفَا الحرب وقتها بالهدنة، لنُمْلِمَ أطرافنا، ونرى ما يجب علينا فعله. في ذلك اليوم بَدَتْ مشاهدُ مغادرة المدنيين من مدينة الخرطوم واسعة، مُستفيدين من الهدنة القصيرة. حاولتُ توثيق تلك المشاهد، لكنني تعرّضت للتوقيف والتهديد، ومن ثم غادرت في اليوم التالي حفاظاً على حياة أسرتي. اخترقَ الطرفان الهدنة وعادَا إلى حربٍ ضروس ومتسعة باتساع مساحة السودان، ولا هوادة فيها، مُجدّداً.ولم يكادا يلتزمان بهدنة بعدها.

جرَت العادةُ بأن الهدنة هي توقيف للعمليات الحربية، بناءً على اتفاق مُؤقّت بين المُتحاربين. وفي النزاعات الدولية، تجري الهُدُنات بعد موافقة طرفي أو أطراف النزاع. ليس هناك تعريفٌ مُباشرٌ للهدنات الإنسانية في ميثاق الأمم المتحدة، لكن فقهاء القانون الدولي يقولون إن غرض الهدنة الإنسانية الأول هو دخول المساعدات الإنسانية، أو التخفيف على المدنيين فى سياق حدَّة النزاع. وفي القانون الدولي الإنساني تنظم الهدنة أعمال الفصل الخامس للَّائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، التي اعتُمِدَت في مؤتمر لاهاي للسلام لسنة 1907. وقد تكون هدنة شاملة أو جزئية في بعض مناطق النزاع.

هُنا يُمكن الملاحظة أن محادثات جدة بين الجيش السوداني والدعم السريع، حاولت اختبار الهدنة منذ بدايات حرب أبريل، ورغم قصر المُدد وفشل المنبر في إلزام الطرفين بالمواصلة فيها، إلا أن كثيراً من المدنيين استفادوا منها بالتحرُّك إلى مناطق آمنة أو العودة إلى مناطقهم، بعد أن تقطعت بهم السبل خلال فترة القتال العنيف وتحوَّل بعضهم إلى مفقودين.

تنص المادة 43 من اتفاق لاهاي، المشار إليه، إلى أن الهدنة تجري بعد بدء سريان الموعد المحدد وإخطار كل طرف لسلطاته، وأن الخرق من أحد الأطراف سببٌ كافٍ لتنصل الطرف الآخر منها. وتُراقب الهدنة باعتبار أنها قد تقود إلى مدخل للحل السياسي، وقد يُرتِّبُ نجاحُها الدخولَ في العمليات السياسية أو اتفاقات السلام .

يُحاول منبر جدة ومن بعده الرباعية، (دول الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)، وضعَ طرفي النزاع السوداني أمام القانون الدولي الإنساني، وحثّهما على فتح ممرّات للمُساعدات المدنية، لكن تعدد الأطراف الداخلية والخارجية نفسها وتعنتها يكشف عن بعض أسباب الفشل.

فرصة للعودة إلى حياض الإنسانية

تُعَدُّ الهدنة من ناحية نفسية، فترة استراحة وترميمٍ لما علق في نفوس المُتقاتلين من دوافع القتال، وإعادة النظر في مستقبل الحرب وخرابها، بما يُعيد إلى المُقاتِلِ جزءاً من إنسانيته، وهو يُشاهد حركة الإغاثة،  وفرحةَ المدنيين بإيقاف إطلاق النار.

مما هو معلوم بالبداهة، أن وقف الحرب فرصة لإعادة إعمار النسيج الاجتماعي الذي انفرط بسبب خطابات الكراهية، وكذلك هو فرصة لترميم ما أصاب القطاعَ الصحيَّ من عطبٍ بالغ، وبالتالي محاربة الأمراض التي ألمّت بالناس، وانتشرت على نحوٍ أشدَّ خلال الحرب، وكذلك لإعادة بناء الاقتصاد وخرائب المدن المُهدَّمة والمهجورة منذ ما يتجاوز سنتين ونصف.

من بين أكوام الركام، تنبعث رائحة الجُثث المُتحلِّلة، التي تُزكم الأنوف، وقد تؤدي بدورها إلى كارثة بيئية وصحية، فالجثامين التي لم تُدفن، تتسبّب في تكاثر الأمراض نتيجة تحلل الجثث. وقد حذرت منظمة الصحة العالمية أيضاً، من أن انتشار الأوبئة في مناطق الحرب، يُصبح خارجاً عن السيطرة، بسبب الجثث العالقة تحت الأنقاض.

لقد انفرطَ الأمنُ في بقع كثيرة من البلاد، واعتاش العديدون من التمليش وتجنيد اليافعين في سن الدَّرْس، وصارت انتهاكات الحرب الجسيمة وصورها المروعة والبشعة سيرة معتادة.

خلال الهدنة المأمولة، سيعيش المدنيون، في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، مرحلة البحث عن ذويهم من المفقودين والقتلى، والتي يصفها كثيرون منهم بأنها ربما تكون أقسى من الموت.

وستبدأ عودة كثيرٍ من النازحين إلى منازلهم المُدمَّرة، وسيَبدأون وبأدوات بسيطة، جهوداً مُضنيةً للبحث عن جثث ذويهم المفقودة تحت ركام المنازل. ولقد وثّقت مشاهد الحرب السودانية مقابر منزلية وفي أفنية المدارس والميادين العامة، وبعض الناس لا يزالون لا يعرفون أين دُفِنَ ذووهم.

اتفاقيات وسلام مؤقت

تظلُّ الهدنة الناجحة، هي الطريق الأمثل إلى السلام في السودان، رغم وعورة هذا الطريق المحفوف بالنوايا الخربة، والتواريخ المُتلاحقة من نكثِ العهود والمواثيق؛ إذ لم يمنّ الله علينا بقيادة سياسيَّة جادة في إحلال السلام وإيقاف الحروب. فهو إما سلام مؤقَّت ناجم عن توازن إرهاق جرّاء استمرار الحرب لفترة طويلة، كما في حالة حرب الجنوب، أو سلام نفعي قصير الأمد ومتحايل، كالسلام الذي أبرمه نظام الإنقاذ في العام 1997 (اتفاقيَّة أبوجا) و(اتفاقيَّة فشودة)؛ إذ لم يكن السلام نفسه هو المراد، بل كان التهيؤ لحراسة وتأمين خطوط البترول واستدامة عمليَّات الضخ دون مخاوف من هجمات الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان؛ ناهيك عن اتفاقيات السلام التي تلتها بين الحكومة المركزية وحركات دارفور المسلحة.

يظهر انعدام إرادة السلام في سمةٍ سادت جميع الاتفاقيَّات التي أُبرمت سابقاً: اتفاقيات جزئيَّة لا تنظر إلى مشكلة الحرب والسلام من منظور كليّ ضمن محاور الأزمة الوطنيَّة، بل تسعى إلى تجزئتها إقليمياً، بين الجنوب والغرب والشرق، ولا تُعالج الأسباب الجوهريَّة للصراع الذي نَشبت بموجبه الحرب.

وبما أن الحرب في السودان ليست عرضاً طارئاً على مسارات تاريخنا الوطني والسياسي، إنما أزمة كليَّة ناتجة عن غياب العدالة واختلال موازين التنمية والعمران بين جهات السودان المختلفة؛ فإن تجزئة عمليات السلام لا تهدف إلى حل جذور الأزمة بقدر الوصول إلى إيقاف مؤقَّت للحرب، حتى يشتعل أوارها في وقت لاحق. بل أجزم أنه ليست هنالك اتفاقيَّة سلام في السودان كان هدفها الأوَّل والأخير إسكات صوت البنادق مرَّة واحدة وإلى الأبد، بل ظلَّت محصورةً في مُحاصَصات سياسيَّة واقتسام مقاعد السلطة والثروة، وغالباً ما يغيب الإنسان هدفاً لعمليات السلام في السودان.

الطريق إلى السلام في السودان لن يكون سهلاً، طالما ظلَّت المشكلات المُوقِدة لشرارة الحرب مستمرة. لدينا مشكلة حقيقية في نظام الحكم المركزي، ولدينا مشكلةٌ حقيقيةٌ في اختلال موازين التنمية والتعليم والصحة والخدمات، ولدينا تصوُّرٌ خاطئٌ عن ضرورة محو الاختلاف الثقافي وإعادة إنتاج المجتمعات على هيئة المركز الواحد. وما لم يتحوَّل التفكير في السلام من خانة المُناورة السياسيَّة واقتسام المناصب وتجزئة الأزمة السودانيَّة، ويتحوَّل إلى هدف في حد ذاته؛ ليس بإمكاننا إخماد حربنا هنا وهناك سوى بنحوٍ مؤقت، لكنها ستنفجر في وجهنا مرَّة أخرى بكُلِّ تأكيد.

اصطفاف جديد في مصلحة السلام

بعد ما يقارب الثلاث سنوات؛ اتضح بما لا يدع مجالاً للشك، ولكل قارئ حصيف للرأي العام، أن كتلةً حرجةً بدأت تتشكَّل في مصلحة السلام، الأمر الذي افتقدناه في بداية الحرب، بسبب علو أصوات الدعاية الحربية، والانتهاكات التي رفعت صوت الانتقام والكراهية فوق صوت السلام، وستبقى الأصوات الداعية للاستنفار ومواصلة التحشيد معزولة في الوقت القريب المقبل.

هذا التطور يتطلَّب تنظيم الجهد المدني الداعم للسلام، ليُصبح قوّةَ ضغط حقيقية على أطراف النزاع، فالدعوة إلى السلام لا تعني تبرير الجرائم، بل تعني إصلاح مؤسسات الدولة، إصلاحاً يَضمن عدالتها وقوميتها، والرغبة في إيقاف نزف الدم لا تعني القبول بمُجرمي الحرب في مستقبل السودان.

لذا فإن إعلان هدنة ليس موقفاً تكتيكياً يتخذه طرف ليخترقه الآخر، أو لإعادة التموضع العسكري لكليهما، لكنه ضروري لإيقاف مأساة الحرب وآلياتها الفتاكة والمُدمّرة. فبعد ما ربا على سنتين، تبدو الحاجة ماسة لإيقاف الحرب، وقبل ذلك إعلان الهدنة، أكثر من أي وقت مضى، فقد بلغ إرهاق السودانيين جرّاء الخراب النفسي والاجتماعي ذروَته.