الفاشر – دارفور24

روى ناجون من مراكز احتجاز تابعة لقوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، شهادات صادمة عن مشاهد القتل والتعذيب والتجويع التي تعرضوا لها عقب سقوط المدينة في أواخر أكتوبر الماضي.

وتُظهر روايات الناجين—الذين أجرت معهم “دارفور24” مقابلات مباشرة—تفاصيل مروّعة عن عمليات قتل بإطلاق النار، وتعذيب قاسٍ، وتجويع ممنهج أدى إلى وفاة المئات، خاصة من أصحاب الأمراض المزمنة، في ظل انعدام الأدوية والغذاء والمياه والرعاية الصحية داخل السجون.

القتل والتعذيب داخل سجن شالا

محمد الطيب، شاب في الثلاثينيات، قال إنه اضطر للفرار من منزله في حي الدرجة الأولى ضمن آلاف المدنيين، قبل أن يحتمي مع مئات آخرين بمطار الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع على قيادة الفرقة السادسة مشاة صباح الأحد 26 أكتوبر.

وأضاف أن قوة من الدعم السريع اقتادتهم سيرًا على الأقدام إلى سجن شالا القومي، الذي أصبح تحت سيطرتها منذ أواخر يناير الماضي.

وأوضح أنهم وجدوا ما يقارب 400 محتجز داخل السجن، قبل أن تتضاعف الأعداد يوميًا لتتجاوز الألف سجين.

وأكد الطيب أنه بقي في سجن شالا سبعة أيام قبل أن يتمكن من الفرار، وخلال تلك الفترة شهد مقتل عشرات السجناء بالرصاص أثناء محاولتهم الهروب. كما توفي عدد مماثل بسبب التعذيب والجوع والمرض، خاصة من أصحاب الأمراض المزمنة.

مستشفى الأطفال.. مركز احتجاز

من جانبه، روى ناجٍ آخر يُدعى إبراهيم يوسف أن قوات الدعم السريع رحّلت آلاف المدنيين العالقين في الفاشر—من داخلية الرشيد بجامعة الفاشر ومن مراكز الإيواء في حي الدرجة الأولى—إلى مستشفى الأطفال شرقي المدينة، بعد تحويله إلى مركز احتجاز.

وبقي يوسف محتجزًا بالمستشفى لأكثر من عشرة أيام، مؤكدًا أنه أصبح أحد أكبر مراكز الاحتجاز التابعة لقوات الدعم السريع في المدينة.

ويشير إلى أنه شهد مقتل أكثر من 600 شخص خلال يوم واحد، غالبيتهم جرى تصفيتهم، بينما مات آخرون تحت التعذيب، بينهم الطبيب فرح إدريس أبكر، العامل سابقًا بالمركز الصحي في أبوشوك.

كما ذكر أن قوات الدعم السريع أجبرت المحتجزين على نبش نحو 90 مقبرة، معظمها لأطفال، بدعوى إشراكهم في عمليات الدفن تجنبًا لكشف المقابر من قبل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، في محاولة لطمس آثار الجرائم.

الفدية ثمن الحرية

ويروي نصر الدين إسحق، الذي اعتُقل مع ثلاثة من أصدقائه من مطار الفاشر يوم 27 أكتوبر، أنه نُقل إلى منطقة كولقي قبل إطلاق سراحه مع رفاقه مقابل فدية بلغت 60 مليار جنيه سوداني.

ويؤكد أن إطلاق سراح المحتجزين في شالا غالبًا ما كان يتم مقابل مبالغ مالية، بينما لا يزال آخرون رهن الاحتجاز رغم دفع أسرهم الفدية، إذ تحولت العملية إلى وسيلة لابتزاز المدنيين.

شهادات من داخل المعتقلات

كما تحدث أحد أفراد الشرطة، الذي أُسر قبل سقوط المدينة بشهرين، عن تنقله بين عدة معتقلات، مشيرًا إلى اكتظاظها بالجنود والمدنيين والأطفال وكبار السن، خاصة معتقل مستشفى الأطفال وسجن شالا ومعتقلات قرب النيابة ومحلات تجارية في الميناء البري تُستخدم كمراكز احتجاز مؤقتة.

وأوضح أنه تمكن من الخروج بعد أن اتفق مع بعض الجنود على دفع 4 ملايين جنيه سوداني، وبعد تحويل المبلغ، زودوه بزي الدعم السريع وأبقوه معهم داخل مركبة قتالية حتى نُقل عدد من المعتقلين إلى نيالا، وهناك أنزلوه قبل دخول المدينة ليتمكن من الوصول إلى أهله بعد فراق دام عامين.

وأكد وجود أوضاع إنسانية بالغة السوء داخل المعتقلات، تشمل نقص الغذاء والمياه، وسوء الرعاية الصحية، والتعذيب، والضرب بالسياط، وابتزاز المحتجزين بطلب الفدية.

تحذيرات دولية

من جهتها، أعربت منظمة “أطباء بلا حدود” الفرنسية، الاثنين، عن خشيتها من استمرار احتجاز أعداد كبيرة من المدنيين في الفاشر ومحيطها بهدف الحصول على فدية مالية، مؤكدة أنهم غير قادرين على الفرار.

وحثت المنظمة قوات الدعم السريع وحلفاءها على وقف “الفظائع الجماعية” ضد المدنيين وتوفير ممرات آمنة للناجين.