كلتوم فضل الله*
ملخص الرواية
رواية غير منشورة للكاتبة السودانية كلتوم فضل الله، تَروي قصة طبيب بيطري سوداني، من أم درمان، درس في العراق، ليعود إلى السودان في تسعينيات القرن الماضي، ويعمل في جنوب السودان أثناء اندلاع حربها حينئذٍ، فاختلط بسكان المدينة، وانقطع لسنوات في جنوب السودان وتزوج وأنجب، وشهد على انتهاكات جسيمة في جنوب السودان إبان فترة استخراج البترول، في حقبة حكم الإنقاذ، وصلت إلى مسح عدد كبير من القرى في مناطق عمليات البترول وقد جرى التعتيم عليها.
أثناء وجوده بجنوب السودان، أدرك الطبيب التباين الثقافي بين ثقافته وثقافة الدينكا، وكان ساخطاً على كل شيء بما اكتسبه من معرفة، وعاش فترة الانتهاكات كلها في القرى الجنوبية، ومن ثم عاد إلى أم درمان بعد إجلاء الموظفين بواسطة طائرة للأمم المتحدة، فوجد الناس في الشمال على فرح عظيم باستخراج البترول وتحقيق حلمهم بدولة بترولية، بينما الناس هناك، في جنوب السودان، تُمسح قراهم ويعيشون انتهاكات حرب الجنوب وضراوة نظام الإنقاذ في ذروته. تعكس الرواية أجواء حرب جنوب السودان وتأثير الحروب على مجتمعات السودان المختلفة.
مجتزأ من الرواية
بينما أنا جالس حضر أشخاص من الجيش يتبعون للكتيبة التي استقرّت على بُعد حوالي كيلومتر من القرية، طلبوا مني أن أحضر إلى القيادة العامة. استعلاء العساكر جعل أفراد القرية يتسلحون سريعاً ويكونون في وضع الاستعداد وحالة التأهب، كما يفعل الدينكا. تحدثت معهم أن يلزموا الهدوء حتى أعود، وذلك ما أثار غضب العساكر الذين لا يفقهون فيما نتجادل أو نتحد، فقال لي أحدهم: أنت ترطن مثلهم، إنها معلومة جيدة. ذهبنا إلى داخل معسكر الجيش. كانت بعض الخيام والرواكيب المُشيّدة من القش تُخصّص للضباط. هناك التقيت بالضابط عماد، نظرنا إلى بعضنا بارتباك، إنه ابن حي الثورة الحارة الخامسة، تصافحنا طويلاً وناديته: “عمدة يا عمدة”، بنفس الطريقة القديمة. جلسنا إلى بعضنا واستعَدْنا جلسةً كنتُ قد حكيتُ له فيها قصة من القصص التي تحكيها لي أمي بينما نحن جالسان في ظل حائط الفصل. هذا ما اجتذب الصراحة والشفافية بيننا. شرحتُ له الدور الذي أقوم به في القرية، بعد أن كنت بيطريّاً بالعيادة أصبحتُ أتبع إلى مكتب الفاو في عمل يخص البيطرة، وكذلك شرح لي دوره المحشوَّ بالنوايا، نوايا التعليمات. فطلب مني التعاون معهم. رفضت، فنصحني أن أنصرف من القرية قائلاً: “تعليماتنا أكسح أمسح، ما تخلي حي”، ثم أردف: “تخارج بسلام”. قلت له: “لا، سوف لن أفعل ذلك، وما ذنب هؤلاء؟ عليكم أن تتصرفوا في تعديل الخطط التي سلَّموها لكم وأن تدرسوا الوضع على الواقع. يمكنكم أن تبلغوا أهل القرى بالانسحاب قبل أن تكسحوا أو تمسحوا، تبلغونهم بالرحيل، حسب إجراءات الدستور، هذه أرض أجدادهم وأرضهم، يجب إقناعهم والتحدث إليهم”. ولكن عماد الضابط قال: “إن الجدال يأخذ وقتاً، نحن عساكر جيش ولسنا عساكر جدال. نحن نخلي الأمكنة ونفرغها. الجدل للمدنيين أو ما تشاء الحكومة أن تعينهم للجدل، نصيحة أخوية غادر”. أقنعت عماد أن يرسل شخصاً من الجنود يُجيد اللغة، وقد فعل، أرسل معي جنديّاً من الدينكا وعدداً من أفراد الجيش، وقد جمعنا سكان القرية وأبلغهم الجندي بإخلاء القرية غداً الساعة الثامنة صباحاً. في البدء فهم كبار وشيوخ القرية أن الجندي يتبنّى تلك الفكرة، فبدأوا يَلعنونه ويردُّون عليه، فتدخَّلْتُ وقلتُ لهم إنه ينقل فقط حديث الضابط. في الليل اجتمع زعماء القرية كي يُقرّروا الرحيل في هذا الليل أو البقاء. بعد جدال طويل أخذ البعض أبقاره ومواشيه وعائلاته على الفور وعبر النهر. تحدث البعض بحرقة في جدال سهرت عليه القرية، بينما تحمل النساء أبناءهن على الظهور، ولكنّ عائلة زوجتي وكثيراً من الناس قرروا البقاء حتى الصباح ليُغادروا قبل الثامنة. وأنا بدوري قلت أنتظر لأرى كيف يتصرف حماة الوطن مع المواطن في الإخلاء القسري هذا. ولكن عند السادسة صباحاً بدأ الرصاص على شكل قوس تجاهنا، من اتجاه معسكر الجيش، فحملتُ طفلتي وأمسكتُ زوجتي وجَدَّتها ضريرة البصر، وكذلك خرج السكان مهرولين يتصايحون: “كاركي كاركي” أي “اهربوا اهربوا”. وأنا أحمل الحقيبة التي بها الآربقان واللابتوب بجانب بناتي، جرينا باتجاه النهر. عبرناه سريعاً. وجدنا البعض يجلس بالاتجاه الآخر في انتظار البقية، يترقّبون ماذا سيحدث بعد هدوء إطلاق النار، فالكل يجري نحو الخلاص، لا أدوات للحفر، فالحفر بالأغصان الحادة لا قوة له ولا قدرة، فقد أُرْهِقَت الأجساد من الجوع والمسافات. وأنا بدوري جريتُ جري السواد الذي لأغنية حمقاء تغنوا بها لحرب قائمة في الذاكرة، رجال ضد رجال، وما دروا أن الحروب كثيرة، تتمركز في أشكال مُختلفة ولا تَبين بشكلها العادي.
ثم بدأ السكان يَتنادون، البعض منهم استقرَّ بالضفة الأخرى باتجاه القرية. كانوا يتنادون أن اعبروا. تسمع البكاء والجدال والصرخات، بعض الذين أعاقهم الرصاص عبروا بهم، ثم استُؤنف إطلاق النار، ودخل العسكر القرية ثم بدأوا يُلاحقون السكان الذين تجمّعوا على حافة النهر ولم يعبروا. أمطروهم بالقذائف، حتى الذين سبحوا في المياه أصابتهم القذائف داخل النهر، وكذلك أصابت النيران الأبقار العابرة للنهر، ثم وصلت قاذفاتهم بعيدة المدى حتى البر الآخر، وسقط جراءها ضحايا. وتصايح الناس” “كاركي كاركي”، أخذنا جثتَي طفل ورجل مسن معنا باتجاه النهر، ولكن حينما بدأت تصلنا المدافع بعيدة المدى أنزلناهما على الأرض، وكان أغلب الناس يحملون ما خفَّ من المتاع. كانت الساعة حوالي الثانية ظهراً بعد أن تمكنّا من حفر القبور بالأعواد الحادة ومُواراة الجُثث. كان القليل من الأكل والكثير من الخوف والدهشة يعتري السكان، كانت بعض المواشي والأبقار التي هربت ليلاً من القرية والناس التعبة من المشاوير والتي أُصيبت بأرجلها من أثر الركض والارتطام بالأرض، ولكن لم يكن المقام الجديد آمناً، إذ نشأ خوفٌ آخر، خوف من نوع جديد، حتى الذين أسلموا أجسادهم للأرض في استرخاء هم في ترقّب. إن هذه الأرض تتبع لقبائل النوير وإنهم يتوقعون هجوماً منهم في أية لحظة وفق النزاع القبلي على الأرض والرغبة في اقتناء أبقار الخاسر كما يحدث منذ عقود سابقة. من ناحيتي قرَّرْتُ العودة والتحدُّث إلى الضابط عماد مهما كلَّف ذلك. تحدثت مع شيوخ القرية وبعض الشباب، قالوا: حتماً سيقتلونك، قلت لهم متحديّاً: لا يهم.
وأنا أتحدث للضابط وهو في ذهنه تاريخ السبي والسلطة والسلب، لا أدري لماذا موقف السين في الحالة، لا تكفي تلك اللحظات المشوبة بسوء الفهم وأزمة الثقة، أن أنقل تفكيراً بأكمله إلى ذهن الضابط الذي تكوَّن هكذا. ربما إلا إذا صار مثل جهاز آلي يستقبل التغذية والتحميل وهذا ما عجزنا عنه.
وكان النهر وبالذين ابتلعهم عصياً على شاربيه المُلقين بحوافّه، الحتف الذي تُباركه الأبدية كان بالطريق، الأبقار النافقة تملأ المكان والتي لا تزال على قيد الحياة تئنُّ من جراحها. طفل يمتصُّ أطراف أصابعه ويموت على صدر أمه التي ربما ماتت عطشاً في الطريق الطويل، أو ربما أرعب الخوف قلبها فانشق وانذبح. وهكذا يسوقني النظر حتى وصلت إلى النهر. وجدت العساكر في حالة تأهب، طلبت منهم مقابلة الضابط، كان العسكر قد بدأوا في إعداد المكان لصق النهر وليس بمسافة القرية. تبينت القرية السوداء المحروقة، لا شيء سوى دوائر حيطان الطين تقف مثل الصهاريج النفطية، دائرية وسوداء والتي اشتعلت أسقفها وأحيلت إلى رماد. من حزني أبكي على أطلال القرية، أم ماذا يحدث لنا ونحن نفترش العراء على البر الآخر من النهر، مُهدَّدين بهجوم قبيلة أخرى ومواجهة أخرى. أمرني واحد من الجنود بالدخول إلى الخيمة المُؤدّية إلى خيمة أخرى حيث أنتظر عماد. كانت ملابسي مُتّسخة وجسمي هزيل، أحس بأن شفاهي تلتصق ببعضها وتُحدث طراقاً حينما أحاول الحديث، بلا تحية ولا حتى مقتضبة من عماد. وبينما كان يريد أن يبتسم وقعت عيني على أكوج وأنيار وأنيانق، من بنات قريتنا القاصرات. كانت أعمارهن ما بين عشر إلى خمس عشر سنة، يُغطّين أجسادهن بملاءات، وما أن وقعت عيني على أكوج ذات العشر سنوات أخت ميان صديقي، حتى خطوتُ مسرعاً إلى خارج الخيمة، وصاح بي عماد: ما بك؟ رأيت في الخارج عساكر يحملون المياه من النهر رغم الأجساد الطافحة في أطرافه. كنت لا أقوى على رفع رأسي المُنكّس، لحقني عماد ورفع وجهي مُمسكاً بذقني قائلاً: “أنت تبكي”. كان يضحك. وقال: “إنك لا تزال عاطفيّاً يا صديقي، إنك لم تُجرّب أن تكون عسكريّاً”. قلت له والعبرات تعتمل في داخلي بحرقة: “لا جدال”. قلت له إن أهل القرية كانوا سيُغادرون عند الثامنة حسب توجيهاتكم، ما الذي حدث؟ وما مصير هؤلاء البنات القاصرات بخيمتكم، فضحك عماد ضحكته العالية، مما زاد من غضبي فلكمته على وجهه. ترك العساكر جركانات المياه وهرولوا نحونا. قال لهم عماد: “توقفوا”، ثم رد علي: “أنت أحمق وعاطفي. أنت ابن بلد مثلنا، ما الذي يجعلك تدافع عن هؤلاء؟”. كنت أسمع كلامه هذا وأنا مسرع الخطى والحرقات تقتلني. أمر العسكر أن يتبعوني حتى النهر ولا يفعلوا شيئاً سوى المراقبة. قرّرتُ أن أصل إلى النهر سريعاً كي أغوص في المياه وأغرق.
لم يكن اختيار الضباط في الكلية الحربية بمقاييس الطول والقامة كما في السابق، ولا يوجد بها منهج وطني للتربية، لذلك الذي ينتهك هو الذي يحمي، ثم ماذا تعني كلمة “ود بلد”، ربما، فالجيش آل إلى حزب امتلكه وسيسه، وبخبث آخر، ربما، لأن تقنيات الحرب قد تطورت إلى ريموت كنترول وأزرار منصات بعيدة تديرها تكنولوجيا المسافات والدمار الشامل. إن الفكرة التي سلبت حق الوطن من الجيش هي أخطر من كيميائي يُبيد ويُدمّر حياةً بأكملها. ما كنت ألاحظه أن عماد قصير القامة إلى درجة يرفع معها رأسه بزاوية منفرجة كي ينظر إلى وجهي، ويفغر فمه ببلاهة وأنا يرشح قلبي مثل زير جديد، ويستفز وتصعد القشعريرة إلى رأسي حتى يقف شعري مثل الشوك. لا أتخيل أن بالكون أناساً يَنقادون، يتنعّمون بالحياة وينتهكون الآخر إلى هذا الحد. قلت في نفسي: “الحرية العادية”. ثم بكيت وبكيت.
عدتُ بعد أن لكمتُ الضابط، سيداً للمواقف مبتلىً بالإمساك، الإمساك بالوجع، حيث الأفق زهرتان، واحدة لانعدام مقدرتي على الفعل الذي يضرجني ويُضارع أهوالي، وزهرة العذاب التي هي أنا. وفي جميع الحالات ذابل هو شكلي ولوني الذي لا يراه أحد، حيث تظل مبادراتي واقفة ومعزولة، لا يتبناها أحد ولا يراني أحد سوى هيكلي العادي. بينما أنا أمورُ في الانعزال، عضلة للعتلة الحافرة في هذه الأرض. وصلت إلى النهر، ألقيتُ فيه جسدي وسمعتُ صوتَ حريقه في الماء مثل جمرٍ وقَعَ عليه، وتركتُ جسدي للموج يتراقَص به، يأخذه هنا وهناك، بينما أسمعُ شظاياي تأخذ صوتها في الماء، وأنا يُقلّبني الماء مثل سمك يغلي على زيت حار، دون أن يُطفئ الماءُ تحرُّقاتي أو يُبدلها إلى رماد أو شيء ناضج. أو قل شيء هامد يذهب به الماء. وأنا في استسلامي الأقصى للماء تذكرت الناس على الشاطئ الآخر، الذين عبروا وهم على قمة التأهب للهجوم الذي سوف تُباغتهم به قبائل النوير على قارعة أرضهم. تذكّرتُ زوجتي هناك وابنتي طور وكل أهل القرى العُزَّل. تذكرتُ جهاز اللاب توب الذي سوف تكون قد نزلت بطاريته وجهاز الآر بقان. قد أجد متسعاً من الوقت كي أرسل رسالة إلى المكتب، لأنقل لهم ما يدور بنا قبل أن تنغرس في قلوبنا كواكيب النوير، أو ترجمنا طائرات الحكومة. قلت، حسناً، لأكون شاهداً على موتي بإشارة مني سأرسلها عبر الآر بقان وأكون شاهداً على موت الكثيرين من هؤلاء.
هل الغبن ما جعلني أخطو مسرعاً، أم هو حتفي على الطريق. النمل يمضي جماعات يعتلي الدماء الجافَّة ويتخذها مأدبة. الذباب المنزلي والخلوي ينتشر في كُلِّ مكان حول الجثث يغطيها بحنو مثل لحاف البرد، ويدوِّي من فوقها. الحشائش تورَّدت بالأصفر كأنما رصها عاشق. الأشجار عالية عالية، تُراقب الصقر الأصلع يَجلس على جُثّة وينهب أحشائها، ثم يطير حاملاً أجزاءها بحنو بين أصابعه وهي تتدلى، يَحطُّ بها هناك وأحياناً يحملها بين منقاري فمه ناظراً بعيداً وتُشكِّلُ أجنحته مروحة هادئة في الطيران نحو شجرة أعلى لصغاره هناك. رأيت ملوال مُلقىً على ظهره وصقرٌ أصلع يجلس على صدره وينظر عميقاً في وجهه. وددت أن أغض النظر عن ما رأيت، ولكن الصقر قد أدخل منقاره عميقاً في عين ملوال المطفأة. جريتُ نحوه لأهشَّه، لكن الصقر نظر إليَّ في برود غريب وعاد يُدخل منقاره في العين المفقوءة. قلت آه، ثم رنَّ سرب من العصافير على رأسي جعلني أتبعه حتى شقشق بشكل جماعي على شجرة وارفة. الغابة لها صوت الصمت الخاص بها، لولا تلك المقاطعات الصوتية الغريبة. هل يكمن في هذه الأرض البترول وتصمت عليه التربة، مثلما نصمت نحن على الفجيعة وهي تمور في العمق ولا تبدو على سطحنا مثل صم لا يقدرون على التعبير عن الشعور، مهما وصفوا بالإشارات، ومهما عبَّروا عن أوجاعهم يعتبرهم الناس على قدر من الوداعة، وقيل وداعة الطرش، وقبل أن أنزل مونولوج ازدحام الأشياء في ذاكرتي، سمعت الناس وسمعت أصواتهم هناك في مكان تجمعهم، والظلام قد غشي المكان، فلا أرى لقصر مدى الرؤية، لكني سمعت صوت بكاء أطفال من بعيد وبعض أنين ينبئ بأني قد وصلت.
كان استطلاع قبلي من أبناء قبيلة النوير قد أتى ساعات غيابي، تجادل معهم شيوخ قريتنا الذين أصبحوا بلا قرية، وقد تجادلوا وتوصلوا بعد الحوار إلى أن العدو قد أصبح واحداً، ولكنهم دفعوا جزية من المواشي والأبقار التي خرجت قبل وقوع الكارثة منذ الليل مع الذين بادروا بالرحيل، وقد قبل رجال النوير هذه الفدية لقاء مكوثنا في هذا الخلاء الذي لا يعلم أحد إلى متى سوف نمكث فيه إلى أن نصل إلى قرى تحتوينا، أم سيلحق بنا عساكر جيش الحكومة هنا في هذا المكان؛ أو ربما أي فصيل من الفصائل التي تقاوم الحكومة. الأصوات أصبحت ما يُشير إلى أن أحداً هناك في الظلام قد غطى المكان، فلا صوت سوى كحة أحدهم أو صراخ طفل أو أنين مجروح. تحدثت مع صديقي ميان، وبعض الصبية الذين سيدخلون طور المسؤولية والرجولة في احتفال هذا العام. سألوني عن رحلة عودتي إلى القرية فصمتّ، ماذا أقول لهم عن بطولة زائفة، هل أقول لجون صديقي أو ميان إن أخواتكم على قيد الحياة ويغتصبونهن العسكر الآن، وقد رأيتهن بأم عيني مكسورات الخاطر منهوكات ومنتهكات. وكذلك رأتني إياك، هل أحكي لهم عن لكمتي للضابط وأقول لهم قد عاقبني حينما أمر جنوده ليتركوني حيّاً عقاباً لي. وهل أقول لهم إن الضابط يعني إهانتي ويقول لي في سره: عد أيها الهوان. نعم، هوان عندما تركني أعود أدراجي دون عقاب.
هبت هبوب باردة تنسّمناها، بينما الناس جلوس تحت الأشجار، يمدون أرجلهم ويفترشون أبسطة صنعوها من العشب الأخضر وفردوها على المدى، فالتحفوا الشمس. يحدقون في الأفق ولا يرون شيئاً، يتلاعب الأطفال العراة بينهم ويَحبَون على الأرض، تحمل النساء أشواك الهجليج، تُخرج بها ما تبقى من شوك على أرجلهن الجافة ويسلون بها ما علق بأسنانهم من بقايا ألياف أوراق أشجار. الجرحى نعالجهم بأوراق شجر النبق المطحونة على الحجارة، وببعض الصبار. لا أربطة نلم بها الجروح النازفة. هبت الهبوب الباردة وما تبقى من أطفالنا كلهم عراة كالعادة، وما فتئت أن ارتفعت الحرارة على الأجسام وجاءت الحمى. حصدت الحصبة من حصدت، حلبوا الأغنام السوداء ثم مسحوا بها أجساد الأطفال. كلهم مرضوا ونحن كذلك، هكذا في ظل أسبوع منذ يوم الهرب. أصابتهم جميعهم الحصبة، وقرّرنا أن نذهب بهم نحو قرية جوك حيث توجد عيادة “أطباء بلا حدود” التي يعمل بها بول تاب، وقد خطب فينا واحد من شباب القرية كان يعمل في السابق في منظمة “قول”، حملنا أطفالنا، النساء عاريات وكذلك الرجال، البعض يلبس سراويل ممزقة، وبعض الأطفال محمولون على لفافات بقايا نواميس المنظمات أو الملابس القديمة. كلما قطعنا مسافة ونحن في المسير مات أحدهم، بكيناه وجلسنا نحفر نودعه التراب كي تستمر الرحلة. ونحن في الصمت اللَّعين تقسمنا في السير إلى مجموعات ننتظر المجموعات المتأخرة، وحين نراهم جلسوا، ندرك أن مكروهاً ما قد حدث، فنعود جرياً، نرجع نحوهم حتى نجد ما نجد، أنه ألمَّ مكروه بطفل جديد، ثم نسير أيضاً. تذكرت أنه موسم المانجو في نيالديو، حيث أصبحت الحدائق تؤتي أكلها الآن. هناك يكون عسكر الحكومة قد حصدوا الناضجة والمخضرة منها، وخزنوها في حقائبهم حتى تنضج. موسم الحصبة يأتي في موسم نضوج المانجو. وكان لنا اتفاق مع منظمة “أطباء بلا حدود” أن تأتي هذا الموسم لتقديم خدمات الوقاية للأطفال، وسوف تُشيِّد شفخانة تضع فيها شخصاً مجهزاً لأمراض هذا الموسم، وذلك في اجتماع مستفيض وكنت موفداً من صديقي ميان لأنوب عنه في الاجتماع، فوجدنا خططهم الكبيرة للقيام بالتطعيم لكل القرى المحيطة، وما كان يعيقهم هو انعدام الثلج، إذ إن اللقاحات تُحفظ في الثلج ولا توجد كهرباء وقد يفسد اللقاح في نقله بين القرى المتباعدة عن بعضها بعضاً. وعلمت مؤخراً أن مشروعاً للطاقة الشمسية سوف يصل إلى القرية مع ثلاجة، وسيجري اختباره قبل وصول الأمصال. ومن حظنا ونحن على مشارف القرية أجهضت زوجتي، فلو أن ذلك حدث ونحن في المكان البعيد ربما تموت مثل كثيرات حدث لهن ذلك. فالسير الطويل جعلها تحسُّ بمغص أسفل بطنها ونزل الدم مدراراً. حملناها ونحن على مشارف القرية وكنتُ مطمئناً أنها سوف تجد رعاية ما. حملناها على أكتافنا بما صنعناه من نقالة محلية من العشب وفروع الأشجار، حتى عيادة “أطباء بلا حدود”. سرعان ما تولى الأطباءُ الأطفالَ وأنقذوهم بالمحاليل الوريدية تعويضاً للسوائل ونقص الغذاء أياماً، قبل أن تداهمهم الحصبة. وتولوا أيضاً العناية بزوجتي وإيقاف النزف. وقد ذكر لي المساعد الطبي بول تاب، أن النظافة في هذه الأحوال ضرورية جداً حتى لا يحدث تلوث أو التهاب. لم يكن لزوجتي ما ترتديه، وما تلبسه ممتلئ بالطين والغبار والعرق والدم اليابس بأطرافه، فصار ناشفاً مثل كرتون منسي. وبعد إنقاذ زوجتي والاطمئنان على الأطفال جلستُ مع المساعد خلف العيادة التي هي عبارة عن كشك من الزنك، أمامه راكوبة طويلة تحتوي مقاعد من الأعواد والحبال المحلية. توجد بالفعل وحدة للطاقة الشمسية وثلاجة وبابور يعمل بالجاز، ويوجد مايكرسكوب وكثير من القوارير وآنية للغلي والتعقيم.
كانت أكوام من جوالات صغيرة وكراتين تترامى على المكان قبالتنا، ونحن نجلس قال المساعد إنها إغاثات منظمة الأغذية، سوف تُرحَّل باتجاه الأماكن التي جئتم منها. نتوقَّع غداً وصول الجزء الآخر محمولاً في الشاحنات وسوف تتحرَّكُ مباشرة. وقال لي بول تاب المساعد الطبي، إن كان لكم حظٌّ ستنقلكم تلك الشاحنات حتى مكانكم الجديد. كانت أعشاب الليف الخضراء تكاثفت خلف العيادة وجعلت منها كومة خضراء. انتشرت رائحة بابور الجاز الذي تُعقَّم من خلاله الأجهزة. سمعتُ ابنتي تصيح، دخلتُ إلى القطية المجاورة ووجدت طاقم التمريض المُكوَّن من رجل وأنثى قد غيروا ملابس زوجتي وكانت نظيفة. تحمَّمْت بالماء الدافئ الذي أعدوه لها بكل مهنية، ثم لبست قطعة من القماش زرقاء على شكل اللاوي، ربطتْها في كتفها وتركتها متدلية تغطي جسدها، ثم بدت الراحة على أعينها التي عادت تبرق. ثم كان تعبير الخلاص واضحاً بعد أن سقط الطفل وكان ولداً ذكراً. تألمنا لفقدان الطفل وحملتُ ابنتي بعد أن ألبسَتْها الممرضة ثياباً نظيفة من ملابس الإغاثات بخامة التريكو، وقد جلسنا نأكل بنهم هائل، نلتهم وجبة الحبوب المتعددة التي تعدّها منظمة الأغذية على شكل جوالات كبيرة توزع بين الأسر، وكان واضحاً أن القرية متمتعة بهذا المدّ الغذائي، فلا يبدو على أطفالهم أثرٌ للجوع. تمتَّعْتُ بطعم الملح وتلذَّذْتُ به مثل الأبقار التي تَسفُّه سفّاً وتلحسه بألسنتها، وحنَنَتُ لذلك الوقت حيث كنا ندير الحياة بكسل ربما هو تدبر أو تعميق في النظر، نعتمل بالإيقاع الصاخب لأرواحنا ونحتفل بالخصب، وكنا نثق في ذلك الوقت بأن الأوراق ستنبت يوماً خضرة وبقاء. دقت أجراس الكنيسة، فدعوت إلهي أن ثبت قلبي ثبات رجل تعلق بالحرية، وكما أقصتني الحياة، إلهي أرجعني طفلاً كي أكون بريئاً غير ملوث، وضَعْني إلهي في بوصلة العشق، كلَّما ضلَّ اتجاهي، وباستمرار اجعلني شغفاً بجذوة تضيء المشاهد وتكتب المحبة.
* شاعرة وروائية

