كتب: يوسف حمد*
يُفكّر الكاتب في شسوع خريطة السودان، وإمكان التواصل بين أطرافه ومُجتمعاته، من أجل سلامٍ وازدهارٍ حقيقي. ومن موقعه مُنخرطاً في العمل الصحفي، يَتساءل: هل يمكن أن تَصل الصحافةُ ما قطعه انهيار البنية التحتية للنقل في السودان؟ وما الذي يمكن فِعْلُهُ من أجل وحدة شعوب البلاد وبناء هويتها القومية؟ وماذا كان يُمكن أن يَحدث إن كانت هيئتا السكة الحديد والنقل النهري تعملان بكفاءتهما الكاملة طوال عهود الحكم الوطنية، وإن أنشئت كذلك شبكة طرق قومية تَصل بين جُزُر السودان الاقتصادية والثقافية المُتباعدة؟
قبل أكثر من 10 سنوات، خضتُ تجربةً صحفيةً في السودان، انطلقتُ فيها من كوني صحفياً مُحترفاً يُفكِّر في مشكلات السودان في حدود ما تُتيحه أدوات الصحافة. شاركَ في هذه التجربة أكثر من ثلاثين صحفياً وأنشأوا صحيفة ورقية لتقول شيئاً ما. كان زملائي من الصحفيين على وعيٍ كاملٍ بشساعة البلاد التي يُمارسون فيها العمل الصحفي، وتشتُّت جمهور القراء الذين ستتوجّه إليهم الصحيفة بخطابها الصحفي.
كان جنوب السودان، آنذاك، قد حصل على استقلاله حديثاً عن الدولة الأم، وما زلنا وقتها نعيش حداثة هذه الصدمة وجِدَّتها. كانت الخسارة كبيرة، ليس من ناحية فقدان إيرادات النفط فحسب، ولكن أيضاً من ناحية فقدان البلاد في تلك اللحظة لإرثها الضارب في القدم. وكنا نخشى أن نفقد المزيد.
كانت تسودُ بيننا حقيقةٌ مؤكدةٌ يصعب تصوُّر السودان من دونها، هي أن هذه البلاد كبيرةٌ نسبياً، ومعزولةٌ عن بعضها بسبب صعوبة التنقل ورداءته، وهذا الشيء غيرُ مُبرَّر، وقاد إلى كوارث لا يمكن نُكرانها، وبالتالي، يَتعيَّن على وسائل الإعلام الجماهيرية ملء الفراغ بطريقة ما، باعتبار الصحافة معنيّةً بمُساءلة الوضع القائم، سواء أفي عمومياته أم في تفاصيله الدقيقة والأكثر دقَّة.
في ذلك الوقت، لم يكن عالمُنا محفوفاً بالموجة الرقمية وعالم الافتراض الذي أصبح كلَّ شيءٍ تقريباً، لكنه ممتلئٌ بقصص الانعزال الحقيقية المُكرّرة، والروايات الأدبية والحكايا التي تَصف وعورة الطرق ومشقَّة التنقُّل في بلادنا، مما يجعل المرء في حالة زهدٍ وعزوفٍ عن أيِّ سفر.
هذا الانعزال هو الذي مهَّدَ لجهل السودانيين الواسع ببعضهم، وقلَّلَ، بالتالي، من تبادل المنافع بينهم، وساهم، مع أسباب أخرى موضوعية، تبدأ من هذا التَّجزير وتنتهي إليه، في تجدُّد وتفاقُم الحروب في أقاليمه المُختلفة. كانت قوات الدعم السريع في ذلك الوقت في طور التخلُّق، ولم تتبلوَر الشخصية السياسية التي حصل عليها محمد حمدان دقلو لاحقاً، الذي أصبح طرفاً في حرب لا يُعرف متى تنتهي.
أحسب أن شسوعَ الجغرافيا السودانية، والإحساس بهذا التجزير، هو ما دفع المُستعمر الإنجليزي لإنشاء شبكة سككٍ حديدية، تَربط أنحاءه المتنوعة، غايتُها امتصاصُ الثروات بأسهل الطرق وأقلها كلفة، لكن هذه الشبكة أعادت تشكيل الاجتماع السوداني أيضاً، وصاغت معرفة السودانيين بأنفسهم بدرجةٍ ما، ولربما لو استمر عملها بالكفاءة ذاتها، ومارست دورها الاجتماعي والاقتصادي المأمول لكفتنا شرور الحروب والانقسامات الذي ذُقناها من قبل، وها نحن في خضمّها مرة أخرى. أظن أن هذا هو ما قادنا في الصحيفة الناشئة إلى التفكير في ملء هذه الفراغات القدرية بين جزر الخريطة السودانية اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً.
في يوم ما، كان السودان يضم شبكة سكك حديدية هي الأكبر في أفريقيا، كانت قضبانها تمتد لأكثر من 5 آلاف كيلومتر، تبدأ من الحدود مع جمهورية مصر، ثم إلى دارفور في الغرب، وبورتسودان على الساحل الشرقي في البحر الأحمر. وأيضاً تَصل القضبان إلى مدينة واو التي تقع الآن في دولة جنوب السودان. ويمكن التحدُّث كثيراً عن إرث السكة الحديد التي “قربت المسافات وكثيراً”، كما جرت عبارة المؤلف المسرحي عبد الله علي إبراهيم. وكان للوضع أن يكون مختلفاً عن اللحظات الحالية مع هذا الإرث المُندثر.
ويمكن قول الكلمات نفسها حول هيئة النقل النهري، الأكبر من نوعها في أفريقيا، إذ تُعَدُّ واحدة من أعرق الهيئات في البلاد، وكانت تمتلكُ صنادلَ وأصولاً ضخمةً في مواقعَ استراتيجية في الخرطوم، وعدد من المدن الأخرى على النهرين والنيل الواحد. وفي وقت سابق، كشف المُراجع العام لوسائل الإعلام عن تلاعبٍ في عملية الخصخصة التي جرت لهيئة النقل النهري، وأفقدت خزانة الدولة قرابة 50 مليون دولار.
كل هذا المجد ولَّى في خضم موجةٍ من الإهمال والترصُّد السياسي المقصود، فولَّتْ معه معانٍ كثيرة وتبدَّدَتْ أهدافٌ مرجوَّة للسودان. ومن مساوئ ذلك، على سبيل المثال، التحطيم شبه الكامل للحياة الاقتصادية والسياسية في المناطق الطرفية، وتراخي الدولة عن تحفيز الأنشطة الاقتصادية في المناطق الريفية، وبالتالي خلقت الحكومة اصطراعاً حول الموارد المحدودة كما لاحظ ذلك أكثر من خبير ومهتم.
كان دحض الجفوة وملء فراغ الانعزال بين الأقاليم واحداً من خطوط التحرير التي نهضت عليها الصحيفة الورقية التي بدأتُ بها هذه المقالة. استمرَّ ذلك العمل لسنة وأكثر قليلاً، ثم توقفت الصحيفة لاعتبارات سياسية واقتصادية. وبعد مرور كل هذه السنوات، لا يستطيع الصحفيون في تلك الصحيفة الزعم بأنهم نجحوا في عمل شيء لتقريب الشعوب السودانية وتعريفها ببعضها حتى تبدأ في بلورة المصالح الحقيقية.
في الواقع، كانت هذه المُهمَّة مُستحيلة على صحيفة ورقية، لا تطبع سوى آلاف النسخ فقط، فالصحيح أن تقوم بهذه المَهَمَّة طرق قومية مرصوفة ومُعبَّدة بما يكفي.
وعملياً على الأرض، لا تُدير الهيئة القومية للطرق والجسور، الجهة الحكومية المنوط بها إدارة الطرق، سوى 10771 كلم فقط، وطرق خرسانية بطول 1045 كلم، بحسب بيانات تقرير حكومي صادر عن الهيئة في 2021، وقد وردت المعلومة ضمن خطة الهيئة السنوية للعام نفسه. إن هذه مساحة مُتواضعة في بلد بهذه الشساعة، بل ليس من الصعب السيطرة عليها، أو تشتيتها، من أي فصيل مُسلّح قوامه 100 مقاتل، ما يعني أننا بحاجة إلى أكثر من 10 آلاف كلم إضافية في أول خطة إسعافية مُمكنة.
في أبريل 2023، دخل الجيش وقوات الدعم السريع في حرب شرسة بدأت من الخرطوم. هذه الحرب اضطرَّتنا للفرار من الخرطوم، واضطرَّت غيرنا للفرار من مدنهم وقراهم. ومع تمدُّد الحرب سرعان ما انعزلت المدن عن بعضها، وكان الفرار مشقَّةً لا تُضاهى بالنسبة للناس والسيارات، ناهيك عن مشقة التبادل التجاري والاقتصادي. فبسيطرة الدعم السريع على طريقين فقط، يخرجان من الخرطوم، كانت البلاد جميعها في عزلة. ويرى بعض المحللين أن هذا الوضع الذي خلَّفته قلَّة الطرق ورداءتها هو الذي يمهد لاحتمال أن نرى إقليم دارفور منفصلاً عن الدولة، وبكلّ سهولة، في الوقت الذي ننشد فيه وحدة شعوب البلاد وبناء هُويّتها القومية.
لقد ساعدتنا الفنون كثيراً، لكن ليس بالغناء وحده تُصنع الهوية القومية، إنما بالقصص والروايات والمسرحيات، شفاهةً وروايةً، وعبر الوسائط؛ بصورة صادقة للاجتماع البشري الذي تحمله الطرق في كل بقعة من هذا البلد.
فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى، لا تُقارَن بالسودان، وكذلك تدير اقتصاداً داخلياً عظيماً؛ فإنها مَدينةٌ، في المقام الأول، للطريق رقم (66) الشهير، (4) آلاف كيلومتر، الذي سهَّل تطورها اقتصادياً، وفي الوقت نفسه، عكس هذا التطور؛ فبفضل هذا الطريق استطاعت أمريكا أن تربط بين غربها وشرقها المتباعدَيْن، بين شيكاغو ولوس أنجلوس.
ستكون المُقارنة معدومة بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية، ففي السودان لا يتمتَّع ثلث السكان بطرق حديثة وآمنة تنقلهم إلى مدنهم أو قراهم – بحسب تقرير الهيئة الآنف ذكره – هذا قبل أن تحلُّ عليهم الحرب. وفي الواقع، فإن الطرق القومية هي الأهم من بين مُتطلّبات النشاط الاقتصادي، وتُعَدُّ سهولة الحركة والتنقل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والسلام، ليس بوصفه إسكاتاً للبندقية، بل عدم الحاجة إليها.
إن فشل مساعي الصحيفة الورقية التي شاركتُ فيها في خلق هذا التعارف المُلهم لا يجعل من مَهمَّةَ أن نتعارف متروكة. هذا إذا رغب الناس في سلام حقيقي وبلاد مُزدهرة.
* صحفي وكاتب

