أجراه: حاتم الكناني

في أواخر العام الماضي، صدَرَ كتابُ “السرد كفعل اجتماعي في الحرب السودانية 2023″، وهو دراسة عكف على إعدادها الروائي والكاتب الصحفي منصور الصويم، بإشراف ورعاية من مركز سلام ميديا، وصدرت في أكتوبر 2025.

تتناول الدراسة الخطابَ القصصيَّ والروائيَّ وتجليات الوعي الجمعي خلال الحرب ومواقف الكتاب والروائيين منها، راصدةً أهم الأعمال السردية التي كُتبت بعد اندلاع حرب أبريل، وعالجت مواضيعها. في هذا الحوار نستنطق الصويم عن قدرة الأدب على التذكير دائماً بقيمة السلام.

  • من أين نبعت فكرة الدراسة؟ ما الدافع وراءها؟

بعد انقضاء الأشهر الأولى من نشوب حرب 15 أبريل 2023، لاحظتُ بروزَ قصصٍ قصيرةٍ تتناول ما حدث في الخرطوم تحديداً. وقتها كتبتُ مقالاتٍ عنها، وقد أضيفتْ لاحقاً إلى الدراسة التي نحن بصدد الحوار حولها. ومع استمرار الحرب، لاحظتُ كذلك اتساع دائرة الكتابة الأدبية عنها، مما أعادني إلى شهادة شخصية كُتبتُها في العام 2007 عن أدب الحرب، وكنت قدَّمتُها آنذاك في اتحاد الكتاب السودانيين؛ فعدتُ إلى تلك الدراسة مُحاوِلاً الربط بينها وما حدث بعد حرب أبريل.

مما أثار اهتمامي أيضاً، المواقف المُعلنة لكُتّاب وأدباء من الحرب، بعدم انحيازهم إلى طرف أو آخر، إضافة إلى عزوف كُتَّاب آخرين كان لهم انتماء أو نشاط أو صوت سياسي واضح عن إظهار مواقفهم إزاء الحرب. هكذا تولّد السؤال لدي: هل يمكن أن يُؤثّر انحيازُ الكاتبِ إلى أحد طرفي الحرب على ما يُقدِّمُه من إنتاج سردي؟ لاحقاً مع اتساع دائرة قراءاتي للأعمال التي أُنتجت خلال حرب أبريل، خاصة الأعمال الروائية، تواصلتُ مع مركز سلام ميديا ليتبنَّى فكرة الدراسة التي امتدَّ العمل عليها لما يتجاوز ستة أشهر، وكان للمركز القدح المُعلَّى في تقويم المنهجية التي عملتُ بها. تناولتُ أعمالاً أدبية كُتبت قبل الحرب وبعدها، ورصدتُ أكثرَ من 50 عملاً لم تتناولها الدراسة جميعها تفصيلاً، لكن تناولَتْ أبرزها مثل كتابات إبراهيم مكرم ومحمد حسن النحات وسارة الجاك ومعاوية الحسن وعمر الصايم وغيرهم، فضلاً عن أعمال أخرى سبقت الحرب الأخيرة بسنوات، مثل “صقر الجديان” لمحمد سليمان الشاذلي و”شوق الدرويش” لحمور زيادة، والأخيرتان تناولتا الحرب في السودان من منظور تاريخي.

 

  • أثناء فترة بحثك ورصدك وكتابة الدراسة، ما هو أهم تحول رصدته في الكتابة الأدبية بعد الحرب؟

هذه الدراسة في الأساس هي دراسة أدبية، رغم أنها تماسَّتْ مع جوانب سياسية أو اجتماعية. لاحظتُ اتجاه الكُتَّاب لا سيما الشباب، إلى أساليب جديدة في تناولهم لموضوع الحرب. هذه الأساليب اعتمدت على مدارس الواقعية السحرية والخوارقية والفنتازيا وغيرها، لمُعالجة حدثٍ جحيميٍّ بحجم الحرب، مُتوسّلين ما سمَّيته التخييل المُعمَّق خلال كتاباتهم للخروج من مأزق فظاعة الواقع. وبطبيعة الحال، ابتعدوا من النقل المباشر للحدَث، الذي قد نجده مبذولاً في القنوات والمواقع الإخبارية. هذا ما لاحظتُه في أعمال عمر الصايم ومعاوية الحسن قيلي وسارة الجاك ومصطفى أحمد مصطفى، الذين قدَّموا – في تقديري – أعمالاً إنسانيةً بوجهٍ جماليٍّ يُعالج قبح الحرب.

كذلك لاحظتُ مدى تأثير المواقف المُعلَنة لهؤلاء الكُتَّاب على صفحاتهم الشخصية بوسائط التواصل الاجتماعي على كتاباتهم السردية. هنا تولَّد سؤال آخر: هل يُمكن أن تُؤثّر مثلُ هذا المواقف على إخماد الحرب أو حتى تمدُّدها؟ هل بإمكاننا أن نجعل من الكتابة وسيلةً في مُكافحة خطاب الكراهية والتضليل؟ حاملاً هذه الأسئلة، انخرطتُ في حوارات مُطوَّلة مع أعضاء مركز سلام ميديا أثناء عمل الدراسة، حول ما يمكن أن يُقدِّمه المثقف السوداني، وهو ما أَنتج المُصطلحات التي وردت في الدراسة، مثل مصطلح الغفران الثقافي والعدالة السردية وغيرهما.

  • تُعَدُّ روايتُك “تخوم” الرماد” الصادرة في بدايات الألفية الثالثة، إحدى الروايات التي تنبّأت بحرب دارفور 2003. في رأيك ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الفنون السردية في إخماد الحروب والتنبيه للخطر المُحدق بالمُجتمعات؟

مما هو بدهي، أن الأدب ليس لديه تأثيرٌ مُباشرٌ في إخماد الحرب، لكن بإمكانه قطعاً أن يُنبِّه المجتمع أو يَلفت الأنظار أو يَستوقف الناس، لبشاعة ما حدث وما يحدث. “تخوم الرماد” كُتِبَتْ في زمن كانت فيه الأحداث تَمورُ وتُؤشّرُ إلى أنها ستؤدي إلى حرب، واستشعرَتْ ذلك من واقع وجود الكاتب في مكان الأحداث وقراءته لما يَجري من حوله. ويُمكن أن نُسمِّيها انتباهةً سرديةً لما يُمكن أن يحدث في إقليم دارفور في ذلك الزمن. وللأسف أن تلك الانتباهات التي أشارت إليها الرواية قد حدثت بالفعل. وربّما كانت حرب دارفور 2003 من الشرارات الأولى التي قادتنا لما نُعاني منه الآن من اقتتال عمَّ أنحاء السودان. لا أعتقد أن الأدب عامةً والرواية على وجه الخصوص، لديهما القدرة على إيقاف الحرب بضربة لازب، لكن يمكن أن يُؤدّيا دوراً في التنبيه لما يمكن أن يحدث. فإذا لم يكن الأدب انعكاساً حقيقياً للواقع، فهو يُحاول النَّظرَ إلى جوانب لم يَنتبه إليها الآخرون بقصدٍ أو بغيرِ قصد، خاصة أن أدوات التشويش أصبحت كثيرة في مجتمعنا، لكن ما أحسبُه أن الأدب يَستطيع التغلُّب عليها، لإيضاح الصورة على حقيقتها.

  • هل بإمكاننا القولُ إن هذه الدراسة هي رصدٌ لتحولات الكتابة السردية بعد الحرب؟

مُؤكّدٌ أنها رَصدت تحوُّلات الكتابة السردية بعد الحرب، رغم أن هناك أعمالاً مُهمَّة تناولت الحرب من قبْل، لكن أن تُكتب أعمالٌ بهذا القدر وهذه الكيفية بعد حرب 2023، هذا ما سيَكون له تأثيراته في الكتابة اللاحقة. لقد حاول كُتَّاب الروايات والقصص الجديدة مُعالجةَ مأزق الكتابة عن ما يحدث ويَشاهده الناس يومياً، من زاوية فنية وأدبية.

  • في دراستك مُساءلةٌ لطبيعة المنتج السردي خلال الحرب.. كيف يُمكن للأدب عموماً والسرد على وجه الخصوص، أن يُحافظ على قيمته الفنية ويُعالج جروح مجتمع مرَّ بتجربة الحرب؟

عندما نتعاملُ مع الأدب فنحن نَختبره وفق أشراطه الفنية والأدبية، وما دونَ ذلك قد يَتحوَّلُ إلى كتابة توثيقية أو صحفية. إن المعيارية التي تُحقِّق أدبيَّةَ النص هي مدى التزامه بالأشراط الجمالية. الأعمال التي تناولَتْها الدراسة هي أعمالٌ فيها محاولات في التجريب واستخدام أدوات وأساليب أدبية، وليست كتابةً كيفما اتفق. كثيرٌ من الناس باستطاعتهم الكتابةُ عن الحرب، وقد لا تكون أدباً، بقدر ما هي يوميات.

  • إذن، هل يتعيَّن على الأدب بالضرورة أن يسعى إلى تعزيز السلام؟ أليس هناك أدب – وتنطبق عليه الأشراط الفنية – لكنه قد ينحاز إلى رؤية أحد طرفي الحرب؟

لا تَستطيع إلزام كاتب أو مُشتغل بالسرد بأن يكتب على نمطٍ مُحدَّد، أو أن تُقدِّم له وصفةً للكتابة الأدبية، وهو ما قد يُخرِجُ الكتابةَ من الأدب إلى الكتابة المُوجَّهة، لتكون أشبه بالتوجيه المعنوي أو الدعاية السياسية. وكذلك لا تستطيع أن تُجبر كاتباً على أن يُعبِّر عن رؤية مُحدَّدة للسلام في كتاباته مثلاً. لكن: ما السلام؟ إنه أرفع قيمة إنسانية، والأدب ينطوي على مقاصد إنسانية وجمالية ورؤيوية ترمي إلى تحقيق السلام، حتى إنْ كان أدباً يَتناول قصةً عنيفةً أو بشعة. إن ما يُنتج من لذَّة جمالية أو ما يُسمّى بـ “لذة النص”، يُفضي في النهاية إلى سلام داخلي، مهما كان الموضوع الذي يَتناوله النص. أرى أنه لا يجوز أن نُلزم كاتباً برؤية مُحدَّدة في الكتابة، فمثل هذا يُفقِدُ الكتابةَ فردانيتها وفرادتها، لكنّ ذلك لا يَمنع أيضاً التواثقَ على أن قيمة السلام هي القيمةُ الأسمى، خاصة مع ما نمرُّ به منذ أكثر من سنتين.

  • يمرُّ المجتمع السوداني حالياً باستقطاب حاد، ما هو الموقع الأمثل للكاتب أو الأديب في وضع كهذا في رأيك؟

بالنسبة لي الانحياز للإنسان. أنا منحازٌ لمن يُعانون في السودان، ومن هم في المناطق المُلتهبة. أنا منحازٌ للنازحين واللاجئين. أعتقد أن الكاتب عليه أن يُوجِّه هذه الأسئلة لنفسه أولاً قبل أن يتخذ أي موقف: ما هي مطالبُ الناس حالياً؟ هل هي استمرارُ الحرب؟ استمرارُ التمزّق المجتمعي؟ الجميع يعرف أن السودان لديه إشكالاته، لكن لا يُمكن أن يُحَلَّ كُلُّ ذلك بالحرب. أنحاز إلى مبادئ السلام والحرية والديمقراطية.

  • أعتقد أن لدينا – في السودان – مُنتَجاً مُعتبَراً في أدب الحرب، خاصةً في الرواية، لكن لم توازِه عملية نقدية جادَّة تُعيد تفكيكه وتُضيء المُعتم من جوانب نصوصه.. ما رأيك؟

هناك شكوى دائمة من تقاصر النقد السوداني، لكن قد نجد العذرَ في الكثافة الكمية لمُنتج أدبي مثل الرواية في السودان منذ التسعينيات وحتى الآن مثلاً، إذ من الصعب مُلاحقتها، كما أن النّقد لا تتوافر له ظروف النشر والانتشار السهلة، إلى جانب أنه يَحتاج إلى زمن للاشتغال والتأمل والتفكيك والبحث والدراسة. لكن أعرفُ أن كثيراً من النقاد الجادّين يَعكفون حالياً على تناول قصص قصيرة وروايات في أدب الحرب. والنقد في الأساس يُحاول إضاءة النصوص الأدبية، ويُفكّكها ويُعرِّف بتفاصيلها غير المرئية، ويُسهم في الكشف عنها، ويُنبِّه إلى قيمتها الأدبية والفنية وعلاقتها بما يدور في المجتمع.

  • بعد إنجازك الدراسة، كيف تَرى التعالق بين الأدب والمجتمع والسياسة؟

كان من المفيد جدَّاً أن أعمل في هذه الدراسة مع مركز مُهتمٍّ بدراسات السلام وقضاياه وقضايا المجتمعات المأزومة والسلم المجتمعي والعدالة الانتقالية، وغيرها من القضايا النظرية التي يُحاول الساسة والمثقفون والناشطون السودانيون إنزالها على أرض الواقع، في بلد مثل السودان وصل إلى ذروة أزماته، وهو على حافّة التفكك حالياً، ما لم يتوافق الناس على عقد اجتماعي جديد ويَحلُّوا الأزمة السودانية من جذورها، كما يقولون. هذه الدراسة نبَّهتْني إلى أن الأدب يُمكن أن يكون له دور. اقترحت الدراسةُ ورشاً لكُتّاب مُحترفين أو هواة أو غيرهم، للوصول إلى التشافي النفسي والمُجتمعي، ولدعم المُصارَحة والمُكاشَفة والمُساعَدة في التَّخفيف من حدَّة الخطابات المُتعارِضة؛ فالحرب لم تكن بين البرهان وحميدتي فقط، بل لديها أسباب أعمق.

الجانب الآخر الذي كشَفَتْهُ لي هذه الدراسةـ، أن الساسة في السودان كثيراً ما يَستغلُّون الأدباء أو الكُتّاب أو أسماءهم في معاركهم السياسية. يتعيَّنُ على الكُتَّاب أن يَنتبهوا إلى أن مطالب السياسيِّين ليست متوافقة بالضرورة مع مطالب المجتمع أو الإنسان السوداني.

  • هل نتوقَّع أن تتوسَّع الدراسة، لتتناول أعمالاً أخرى لم تُفصِّل فيها؟

أسعى شخصياً إلى توسيع هذه الدراسة، فقد رصدتُ عدداً كبيراً من الأعمال التي لم أستطع تناولها، خاصة أنني كنتُ مقيداً بمدى زمني مُحدَّد في إنتاج الدراسة باعتبارها إنتاجاً مُشتركاً. أيضاً هنالك أعمال مُهمّة جداً تناولت الحروب في السودان قبل حرب 15 أبريل من المُهمِّ التعرُّض لها. أتمنى أن تَخرج الدراسة بصورة أخرى موسعة.