أجراه: ماجد القوني

د. فرانسيس دينق، أحدُ أبرز المُهتمِّين بالشأن السوداني، والمُتابعين لتاريخ السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم؛ دبلوماسي، وأكاديمي، ومُفكّر جنوب سوداني، يُعدُّ من أبرز الخبراء في شؤون النزاعات وحقوق الإنسان. شغلَ عدَّة مناصب في الأمم المتحدة، منها المستشار خاص لمنع الإبادة الجماعية، وهو أول سفير لجنوب السودان لدى الأمم المُتّحدة، واشتُهر بطرح رؤية قائمة على الاعتراف بالتنوع وإدارته. أدار مشروع دعم السلام في السودان في معهد الولايات المتحدة للسلام، وهو أستاذ باحث في السياسة الدولية والقانون والمجتمع في جامعة جونز هوبكنز.

يُسلِّط الحوار التالي الضوء على أبعاد الأزمة الحالية التي أعقبت حرب الخامس عشر من أبريل في السودان. ومن خلال سياق مبادرته التي أطلقها أغسطس 2025، يوضح د. دينق، أن الهدف الأساسي هو تحقيق سلام شامل ووحدة السودان عبر مشاركة جميع الأطراف، مع ضمان شمولية الحلّ وتقدير التنوع العرقي والديني والثقافي. ويؤكد أن المبادرة ليست بديلة عن المجتمع الدولي، بل تسعى لدعم الجهود الوطنية بمُساندة خارجية، مع التركيز على أن مسؤولية إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار تقع أولاً على السودانيين أنفسهم. وترتكز رؤية المبادرة على التفاهم والحوار الشامل أساساً لإيجاد إطار يُوازن بين الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ويُؤسِّس لسودان جديد يَعترف بجميع مواطنيه دون تمييز.

*بداية، دعنا نبدأ من الوضع الذي يعيشه السودانيون اليوم، وتحديات البقاء الكبيرة التي أنتجتها حرب الخامس عشر من أبريل، والتداعيات الإنسانية التي أفرزتها، كيف تنظر لما يحدث اليوم في السودان؟ وهل كان متوقعاً؟

أُتابع بشكل دقيق كل ما يحدث في السودان منذ الاستقلال وحتى الآن، وكان التركيز على ما يحدث في جنوب السودان. وعلى الرغم من أن ما حدَثَ وقتها يُعتبر مأساة مُحزنة، ولا شكَّ في ذلك، فإن ما يحدث في السودان حالياً لم يكن متوقعاً أبداً، خاصة وأن الحرب في الجنوب كانت بعيدة، والناس لم يكونوا مُهتمِّين بها بالصورة الماثلة الآن، بينما نحن مُهتمُّون بما يَحدث في السودان. وأعتقد أنه رغم المجزرة أو الخراب والقتل الذي حدَثَ في الجنوب، فإن ما يحدث في السودان الآن أفظع مما شهدناه هناك. الحرب دائماً تجعلُ الناسَ أقل إنسانية بالصورة المُتوقَّعة والمعروفة، لكن السودانيين معروفون بطيبتهم وأخلاقياتهم وحُسْن معاملتهم للآخرين. فعندما يحدث ما نراه الآن في السودان، يصعب استيعاب السبب. الحقيقة أنني كنتُ في الخرطوم قبل الحرب بأشهر، ولاحظتُ وجود مشكلات، ولا شك في ذلك. هذه المشكلات لم يكن متوقعاً أن تُؤدِّي إلى ما هو حادث حالياً، لكن لم يكن مستغرباً كليّاً عندما نشَبَت الحرب، لأن هناك تلميحات إلى الانقسامات الحادثة في السودان. الناس يسألون، وأنا شخصياً أسأل نفسي: ما الأسباب التي أدَّت إلى الوضع الذي نراه الآن في السودان؟ وأعتقد أنه لا بدَّ من الرجوع للخلفية وسرد الأحداث وتاريخ المأساة، التي تضخّمت في الوقت الحاضر، مع الإشارة إلى أن القضية نفسها لها جذور عميقة.

* تحركات دولية بدأت بشكل محموم لإيقاف النزاع في السودان وإصلاح ما أفسدته حرب الخامس عشر من أبريل ابتداءً من جدة وانتهاء بتحرُّكات الرباعية؛ مع ذلك يرى البعض أن المجتمع الدولي فشل في حل الأزمة السودانية. إلى أي مدى تُقيّمون هذه التحركات؟

التعامل مع المجتمع الدولي حقيقةً مُعقَّد، من ناحية أن هنالك قيماً أخلاقية، وقيماً خاصة بمعاملة الناس أثناء الحروب، منها الناحية الإنسانية، والاهتمام باستقرار السودان، أو سلام واستقرار المناطق كلها؛ فما يحدث في السودان بطبيعة الحال له أثر في منطقة القرن الأفريقي. لكن أقول إن التعامل مع المجتمع الدولي يكاد يكون تجميلاً للمجهودات الداخلية. والمجتمع الدولي طبعاً مشغول بأشياء كثيرة جداً. لذا نشكر أي اهتمام من المجتمع الدولي بمشكلاتنا، لكن المجتمع الدولي ينظر إلينا بأننا مسؤولون عن الوضع في السودان، وأي حلول لا بد أن تأتي من الداخل بدعم ربما من الخارج. وفي النهاية طبعاً الوساطة مُهمّة جداً، لأنه ما من طرف من الأطراف المُتحاربة قد يصل إلى منطقة ما لتحقيق السلام. دائماً نحتاج إلى وساطة. زمان لدينا في السودان عندما تحدث مشكلات بين القبائل نجد “الأجاويد”، وهم رجال كبار في السن لديهم الحكمة، ومعظمهم زعماء عشائر. لكن بالنسبة للقضية في السودان حالياً، نحن نتعامل مع المجتمع الدولي على أساس إمكانية مساهمته. إذن، بإمكانهم أن يتوسطوا ويدعموا مجهوداتنا، لكن لا بد من أن نقوم بمسؤوليتنا في المقام الأول، وننظر للشركاء من الخارج كداعم مساند لمجهوداتنا، لكن الحرب لن يوقفها الأجانب، سيُوقفها السودانيون. فلذلك فدور المجتمع الدولي مساندٌ للدور الرائد في السودان، وهو مسؤولية السودانيين.

*هذه الرؤية تقودنا للمبادرة التي بادرتم بها في أغسطس 2025، والتي ترغب في تأسيس قيادة سودانية خالصة، تسعى إلى تحقيق السلام في السودان. هلّا حدَّثتنا عن المبادرة، وهل تمثل قطيعة مع مبادرات المجتمع الدولي، أم داعمة وتمضي في ذات الاتجاه؟

 النقطة الرئيسية التي سأبدأ منها هي أن هذه المبادرة، لولا الدور الذي أداه الإخوة والأخوات الذين عملوا معنا في هذا المشروع، لما كانت لتتحرَّك بهذه الصورة. الحقيقة، خطرت ببالي في الليل وكنت أفكر في ما يحدث في السودان وما يمكن أن نفعله. وبصورة متواضعة جداً، كتبتُ صباحاً خطاباً موجهاً إلى الشعب السوداني، كما ذكرت، للآباء والأمهات، الإخوة والأخوات، الأبناء والبنات. وكانت رسالة اندفعت بمشاعر اهتمام عميق بما يحدث في السودان. شاركتُ الخطاب مع الأخ الدكتور عبد الله النعيم، وهو صديقٌ قديمٌ وعملنا معاً في كثير من الأمور، وقد استجاب بشكل مشجع جداً، وقال لي إنه يجب توزيع هذا النداء بصورة واسعة. وفعلاً أرسلناه إلى مجلات وصحف سودانية. بعد ذلك، الإخوة، وخاصة أسماء – وبلا أي مبالغة أو مدح – شكّلت هذه المجموعة مُبكّراً، وبدأت بتأسيس مجموعة “الأبوكسي” لقضية السلام في السودان. جلبت النداء إلى المجموعة، وتبنَّتْهُ المجموعة وأدخلت فيه عدداً كبيراً من الأشخاص، بما في ذلك الدكتور عصام الذي يَعمل مع أسماء، ثم الدكتور عبد الله النعيم، وإبراهيم البدوي. وهكذا توسَّعت المُبادرة أكثر مما كنتُ أتوقَّع. والحقيقة أنني دائماً أسأل نفسي: لماذا اندفعَ النّاسُ لدعم هذه المبادرة؟ وقبل أن أدخل في التفاصيل، أعتقد أن دورَنا كان دوراً متواضعاً، لكنه غير منحاز.

والمجموعة هذه تعمل معنا بطريقة وحدوية، دون أي تمييز بين المبادرات. بعد ذلك نتعامل مع الأشخاص الذين قاموا بمبادرات، ودائماً نسأل: من يقف وراء أي مبادرة؟ وكيف نتعامل مع جميع الأطراف؟ نتحدَّث مع الأحزاب، والفئات، والأشخاص المندفعين سواء لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو مهما كان السبب، لأن هدفنا في النهاية هو الوصول إلى حل شامل لكل السودانيين.

أريد أن أقول إن التركيز الحقيقي هو أن هذه المبادرة ليست مبادرتي وحدي. نعم، الفكرة جاءت مني، لكن لولا الدور الذي قامت به مجموعتنا، لما كانت المبادرة قد تقدَّمت بالصورة التي وصلت إليها، وسعيد وفخور، لكن دوري متواضع جداً، دور فردٍ فقط.

* إذا نظرنا إلى الصراع الدائر حالياً في السودان من زاوية تحليلية أوسع، إلى أي مدى يمكن اعتباره انعكاساً لنمط الصراعات في القارة الأفريقية عموماً؟ لا سيما وأنكم أشرتم في كتابكم «صراع الرؤى» إلى جدلية الهوية والسلطة بوصفها محركاً رئيسياً للنزاعات. وهل من الممكن الجزم بأن جذور الحرب تأسست أساساً على صراع الهوية أم على التنافس حول السلطة؟ وهل ما يجري اليوم يُعد امتداداً لذلك الإرث المركّب بين الهوية والسلطة؟

تعرف، أنا أعتقد أنه حتى لو أن الذي يحدث الآن كان متوقعاً، إلا أن ضخامة الخراب والمذابح، لم يكن يَتصوَّرُها شخص. لكن أعتقد أن هنالك تقدماً بالاعتراف ببعض ما كان يُتَنكَّر له. في بداية مجهوداتنا في الكتابة عن الهوية في السودان منذ السبعينيات، الحرب الأولى انتهت 1972، وكتابي “صراع الرؤى” أو الهوية بدأت كتابته قبل الحرب بسنة، ونُشر بعد اتفاقية أديس أبابا. في ذلك الوقت كان الناس مُتنكّرين؛ فالجنوبيون فسروه كأني لم أقل مثلاً “Dynamics of Identification” (ديناميكية الهوية)، “A Basis for National Integration”   (أساس للوحدة والانصهار السوداني في السودان)؛ لقد فسَّروا الكلام  بأني أبحث عن انصهار في الإطار العربي الشمالي. ومن ناحية أخرى اعتقد الشماليون أني أتكلَّم عن أفريقية السودان. وبدلاً عن أخذ الجانب الإيجابي فسَّرَه الطرفان بشكل سلبي، كأني طالبت بأشياء تتعارض مع أهدافهم.

لقد جاء الكتاب الذي تفضّلتَ بالإشارة إليه “War of Visions” عندما أنجزت اللقاءات لـ “War of Visions” ، وحدث نفس الشيء. السودانيون معظمهم كانوا مُتنكّرين ومُستنكرين أن أتحدث عن الهوية بصورة وكأني أقول: “يا أخوانا “You are not what you think you are”. بمعنى أن هنالك خلطة عربية سودانية أفريقية، لكن تُعرِّفون أنفسكم كأنكم فقط عرب إضافة طبعاً لدور الإسلام، وهذا تحريف للواقع. الكتاب في الأول كان عنوانه “Myth and Reality” (وهم مضاد للواقع). والشماليون الذين تحدّثت معهم عدد كبير منهم كان يقول: “يا أخي ليه عايز ترجّعنا للتاريخ، تاريخ العبودية والجوانب السلبية في تاريخنا؟ نحن نُفكّر في المستقبل، ولا نتحمّل مسؤولية تاريخ السودان الماضي”. هذا كان بعض الرأي السائد مع الذين تحدَّثت معهم في السودان الشمالي. الجنوبيون يقولون: “يا أخي إنت مالك عايز تخلق مشكلة عن هويتنا، نحن عارفين أنفسنا أفارقة وبعضنا مسيحيين وعندنا تقاليد دينية أفريقية، ما عندنا انشغال بالشماليين إذا كانوا بيفتكروا إنهم عرب نتعامل معاهم كعرب ونحن أفارقة”. معنى ذلك أن لا أحد منهم يُريد البحث عمّا يجمع السودانيين. نعم، هنالك من استجاب لرؤيتي واتفقوا معي، والآن لا أعتقد أن هناك من يتنكر الآن للواقع وأن قضية الهوية في السودان من ضمن المسائل الأساسية للمشكلة. لذلك فإن النداء الذي أطلقناه من خلال هذه المبادرة يعود بنا لأصول المشكلة. من الممكن أن ننشغل بما يحدث الآن على مستوى القضايا الإنسانية وضرورة الحوار الشامل، لكن لا بدّ من العودة إلى الجذور من أجل أن نعالج المشكلة من أساسها. أنا أعتقد أن هنالك تقدماً، لكن كلما تقدَّمنا نعود مُجدداً للقضية الرئيسية التي تُفرّق بين السودانيين، وكلما تمسّكت الأطراف بالماضي وبعض الصفات المعروفة لدى السودانيين (العروبة والإسلام) يظهر التعصب. نحن أمام تقدُّم من ناحية ورد فعل للتقدُّم من ناحية أخرى، ووصلنا لدرجة أن المشكلة أصبحت”Zero sum”   (اختلاف رئيسي). ولكن مشكلتنا كذلك أننا ننظر للمتحاربين من زاوية الأفراد، أي الجنرالات الذين يحاربون حالياً والذين يقفون معهم. هذا لا يدعنا ننظر للمشكلة بصورة شاملة بجذورها، فالمشكلة السودانية ليست مشكلة الأفراد أو الفئات المتقاتلة حالياً.

* في ظل تعامل المدنيين مع العسكريين عبر تاريخ السودان، كيف يمكن اليوم الاعتراف بأن المشكلة وطنية شاملة وتتطلب علاجاً جامعاً، بدلاً عن التركيز على لوم طرف دون آخر؟ وكيف يمكن التوفيق بين وحدة البلاد وإرساء سلام شامل يضم جميع الآراء والفئات والدوافع المختلفة، مع الحفاظ على مبدأ شمولية الحل الذي تقوم عليه مبادرتكم؟

– البعض يعتقد أن دور المدنيين مُضادٌّ لدور العسكر، لكن في الواقع لو نظرنا إلى تاريخ السودان منذ الاستقلال، حول التعامل بين العساكر والمدنيين؛ ولو بدأنا من عبود، نجد حزب الأمة شعر بأنه في طريقه لفقدان صوته، فسلَّم السلطة لعبود. ثورة مايو بقيادة نميري الذي تحالف مع الشيوعيين. أما في 1989 فأنا فهمت من الترابي أنهم شعروا بعدم قدرتهم على تحقيق غاياتهم كإخوان مسلمين بالوسائل السلمية والديمقراطية، فسلّموا السلطة للعسكر. هنالك تعامل بين العساكر والمدنيين، لأن كُلّ طرف يصل السلطة يفشل في حل المشكلة الرئيسية في السودان. لذلك المطلوب الآن أنه بدل أن نلوم طرفاً أو آخر، وكأن أيادينا نظيفة، وجميع الأطراف أياديها مُلوَّثة بالدماء؛ يجب أن نعترف بأن المشكلة وطنية شاملة وتحتاج إلى علاج شامل، لذلك فالنداء الذي أطلقناه والمبادرة تركز دائماً على شمولية القضية وحل شامل للقضية. ولو كان هناك من يقع عليهم اللوم أكثر من الآخرين، في النهاية يجب أن نجلس في الطاولة ونسأل أسئلة: لماذا تُصرّون على أن يكون السودان وفق رؤيتكم فقط، على الرغم من أنه بلد متنوع، يتشكّل من عناصر متباينة جداً سواء الناحية العرقية، أو الثقافية أو الدينية؟ كيف نُوفّق بين وحدة السودان، والتأسيس لسلام في إطار الوحدة؟ كيف يمكن أن نخلق مناخاً لكل الآراء أو الفئات أو الدوافع المختلفة؟ وهذا تحدٍّ. أنا لا أعرف كيف يكون الحل، لكن المبدأ الذي تنطلق منه مبادرتنا شمولي.

* أشرتم إلى فشل مشروع الدولة السودانية منذ الاستقلال في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي. هل يعود ذلك إلى عجزنا عن إدارة التعدُّد والهويات المُتنوّعة داخل السودان؟ وهل تحوّل هذا التنوع من مصدر ثراء إلى مصدر صراع؟

والله هذا سؤال مهم، وأعتقد أن الإجابة تقع ضمن إطارين: إطار داخلي يتعلَّق بمسؤولية السودانيين أنفسهم، وإطار أشمل إفريقيّاً وعالميّاً يرتبط بكيفية التعامل مع النظام الموروث من الاستعمار. فمن غير المُمكن العودة إلى الماضي أو التخلّص من الدولة الاستعمارية؛ فالسودان، بصورته التي نعرفها اليوم، تَشكَّلَ في سياق خارجي، بدءاً بالحكم التركي– المصري، ثم الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا. هذا المسار أسّس لدولة تمحورت حول المركز، وقامت على فكرة توحيد البلاد عبر سلطة مركزية، دون أن تُبنَى بالقدر الكافي على أسس نابعة من الواقع السوداني الداخلي.

صحيحٌ أن الإدارة الاستعمارية استعانت بالقيادات التقليدية – من نظار وعُمد وغيرهم – وهو ما مثّل اعترافاً جزئياً بالبنية الاجتماعية المحلية، إلا أن النظام ككل ظل قائماً على مركز قويٍّ يُقابله تهميش وتمييز للأطراف. وهذه سمة لم تقتصر على السودان، بل تنطبق على كثير من الدول الإفريقية التي ورثت نظم حكم “مزروعة من الخارج”.

منذ الاستقلال بدأ الواقع يُعبّر عن نفسه، خاصة في الجنوب، حيث أدى الشعور بالتمييز إلى تعميق الإحساس بالغبن. وأذكر أن أحد الرؤساء الأفارقة قال لي ذات مرة، إن صورة السودان كما رآها آنذاك كانت تقوم على تراتبية غير عادلة: مواطنون من الدرجة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وصولاً إلى الجنوبيين في أدنى السلم، متسائلاً: كيف يمكن أن تقوم وحدة وطنية على هذا الأساس؟ وقد حاولت أن أوضح له أن رؤية بعض قيادات الجنوب، وعلى رأسهم جون قرنق، كانت تقوم على تغيير جذري يُفضي إلى وحدة جاذبة قائمة على العدالة.

لذلك يمكن القول إن ما يجري في السودان اليوم هو، في جانب منه، بحث عن أصالة الدولة وعن نظام يعكس الواقع السوداني، ويُحقِّق التوازن بين الوحدة والتنوع. وهذا التنوع لا يقتصر على الأبعاد العرقية أو الدينية أو الثقافية، بل يشمل أنماط التنظيم الاجتماعي والسياسي من القاعدة إلى القمة.

حتى في التجربة الانتخابية، كثيراً ما تتحوَّل العملية إلى ما يمكن تسميته “دكتاتورية الأرقام”، حيث تحكم الأغلبية العددية دون أن تكون مُمثَّلةً بالضرورة لإجماع وطني شامل، فتغلب الحزبية أو الفئوية على الرؤية الجامعة. هذا بينما تقاليد القيادة في المجتمع السوداني، تاريخياً، انطلقت من القاعدة، حيث تبرز شخصيات تعبّر عن رؤية مجتمعية وحدوية، لا عن انقسام حزبي ضيق.

من هنا، أرى أن الأولوية اليوم هي إيقاف الحرب، والجلوس جميعاً إلى طاولة الحوار للتفكير في كيفية التوفيق بين خلافاتنا ضمن هدف مشترك هو السلام ووحدة السودانيين، وصياغة إطار يُوازن بين مبدأي الوحدة والتنوع. نعم، النظام القائم له جذور خارجية، ولا يُمكننا تجاهلُ ذلك أو العودة إلى الوراء، لكن يمكننا أن نأخذ من التجارب الخارجية ما يُلائمنا، ونبني في الوقت ذاته نظاماً يستند إلى أسس سودانية أصيلة ويعكس واقعنا الاجتماعي والثقافي.

وهذه ليست قضية سودانية فحسب، بل تمتدُّ إلى كثيرٍ من دول شرق أفريقيا ودول الساحل، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تواجه التحدي ذاته: كيف توفّق بين واقعها الداخلي وتأثيرات الخارج؟ بل إن دولاً عديدة في العالم، خاصة تلك التي شهدت نزاعات داخلية، تُعاني بدرجات متفاوتة من إشكالات الهوية وبناء الدولة. إنها مسألة محلية وإقليمية وعالمية في آنٍ واحد.