الثلاثاء, سبتمبر 22, 2020
أخبارتقارير

الاقتصاد السوداني.. بين وصفة ترميم ومافيا تدمير

الخرطوم- دارفور24
أجمع خبراء اقتصاد بأن هناك مزورين وسياسيين وفاسدين وتجار جشعاء، يتعمدون تدمير الاقتصاد السوداني، بشراء العملات الأجنبية وتحديداً الدولار بأي مبلغ لأن بعضهم تحصّل على العملة الوطنية بـ«السرقة»، وآخرون يملكون ماكينات تزوير الجنيه السوداني، وهؤلاء لا يؤثر عليهم سعر شراء الدولار مهما ارتفع.
وطالب الخبراء، الحكومة الانتقالية، بمنع دخول أي سلعة للبلاد إلا إذا تمّ شرائها بـ«دولار» يكون مصدرِه النظام المصرفي الوطني.
وكشفت جولة ميدانية لـ”دارفور24″، “الأحد”، عن تراجع كبير في أسعار العملات الأجنبية، مقابل الجنيه السوداني في تعاملات السوق الموازية غير الرسمية “السوداء”،حيث هبط سِعر شراء الدولار الواحد إلى 190 جنيهاً، قياساً ب 260 جنيهاً الأسبوع الماضي. 
ويأتي ذلك متزامناً مع إلقاء القبض، أمس، على أكبر تاجر عملة في طائرة كانت في طريقها إلى تركيا، واعلان الحكومة الانتقالية، الخميس الماضي، فرض حالة الطوارئ الاقتصادية ورفع عقوبة المضاربين بالدولار من السجن 5 سنوات إلى 10 سنوات. 
حسرة خبراء 
وتأسف الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالعظيم المهل، لعدم إحتكام الاقتصاد السوداني، لقوانين الاقتصاد، والذي قال إنه ظهر جلياً في عدم تأثره بعوامل العرض والطلب، ما نتج عنه زيادة سعر الدولار الذي تتحكم فيه الاحتكارات الكُبرى، وأصحاب المصالح الكبرى، وهُم مافيا غسيل الأموال من مزورين وسياسيين وفاسدين، وتجار جشعاء.
وأكّد أن تلك «المافيا» تشتري الدولار بأي سعر لتهريبه للخارج وهُم مستثمرين في شركات الاتصالات، وقطاعات أخرى، وآخرين عائد صادرهم لا يأتي للبلاد، ومنهم شركات حكومية، مُدللاً بشركات «البرسيم» كنموذج والتي قال إن عائده بالدولار يقدر بـ 135 دولار لكل فدان كل 18 يوم، إلا أن العائد لا يتناسب مع صادرات السودان المُسجلة رسمياً والموضوع لها 4 مليار دولار، وربما شركة تكون صادراتها أكثر من هذا الرقم، وقِس على ذلك شركات الذهب التي يُمكن ان تصدر أكثر من ذلك، أضف إلى ذلك إمتلاك أفراد لـ«مكنة تزوير العملة الوطنية» يقومون بشراء الدولار بأي مبلغ، وآخر سارق لِمال، وآخر يريد فقط تهريب العُملة الأمريكية للخارج، وجميع هؤلاء لا يؤثر عليهم سعر شراء الدولار مهما ارتفع.
ونبّه المهل، إلى أن هناك مستوردين وطنيين يهربون سلع الصادر للاستفادة من الدولار بالخارج، وكأنهم يتحصلوا عليه بالخارج، كما أن دولارات المغتربين لا تدخل البلاد، بل تذهب إلى الإمارات ومنها إلى الصين واليابان، وتأتي في شكل مستوردات، بسبب غياب المساءلة في الموانئ والمطارات ما أفرز صفقات وهمية لجهات تتحدث كذباً بانها صدّرت سلع بـ 25 مليون دولار، والحقيقة أنها صدّرت بـ250 مليون دولار.
وقال المهل وهو استاذ الاقتصاد بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، إن قوانين الاقتصاد مُعطّلة، ودلل على ذلك بعدم إنخفاض سعر الدولار، رغم توقيع الحكومة اتفاقيتين مع الجبهة الثورية أواخر أغسطس المُنصرم، وعبدالعزيز الحلو، مطلع سبتمبر الحالي.
علاج الأزمة
ونصح د. المهل في تصريح لـ«دارفور24»، الحكومة، بمنع دخول أي سلعة للبلاد إلا إذا تمّ شرائها بدولار خارج من النظام المصرفي، ورأى أن الحل الجزري يتمثل ببساطة في زراعة «البرسيم» مثلاً، والذي أكّد أنه يُغطي احتياج الحكومة الشهري البالغ 303 مليون دولار.
الانخفاض طبيعي
ونصح الإداري المرموق في بنك السودان المركزي محمد عصمت، الحكومة، بتحرير التعامل بالنقد الأجنبي تماماً، وتقيّيد الواردات، وحصرها في السياسات التفضيلية الخاصة، مع تشجيع الصادرات، وإلزام كل مُصدر بإعادة عائد صادراته إلى البلاد حتى يستقيم الوضع ومن ثمّ النظر تدريجياً في سياسات تسمح بحرية التداول.
وقلّل عصمت، من نجاعة سياسات الإعفاء والتغيير للوزراء دون رؤية ثابتة للأزمة، واستشهد بمواصلة الدولار للصعود حتى الأسبوع المنصرم، رُغم إقالة وزير المالية والاقتصاد إبراهيم البدوي مؤخراً، وتعيين هبة محمد علي.
وقال إن استمرار إرتفاع الدولار، يؤكد أن حل المشكلة ليس بتغيير الأشخاص طالما أن الرؤية غائبة والسياسات غير واضحة.
ورأى عصمت، وهو قيادي في قوى الحرية والتغيير والتي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة، أن مبررات إنخفاض سعر الجنيه السوداني أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى أمراً طبيعياً، لأن شبكات حكومة نظام الإنقاذ البائد بزعامة المخلوع عمر البشير، كانت ترفض إعادة صادرات الذهب إلى البلاد لإبقائه بالخارج، ولذلك عندما جاءت حكومة الفترة الإنتقالية برئاسة رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك، وجدت الخزينة خاوية من أي إحتياطيات، وورثت مديونيات خارجية ثقيلة.
تصفية آثار الفساد
وقال عصمت، وهو رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الموحد ـ أحد مكونات الحكومة ـ، إن الحكومة الإنتقالية «تُجابد» حالياً لإستعادة عائدات الصادرات التي تُغطي إحتياجات البلاد من سلع إستراتيجية مستوردة، وبالتالي ليس مستغرباً نهائياً إرتفاع الدولار وإنخفاض الجنيه في ظلّ وجود أرصدة مالية كبيرة لشركات ومؤسسات وأفراد من محسوبي النظام المُباد الذين يُضاربون اليوم بالدولار لتهريبه للخارج بهدف تصفية آثار فسادهم.
ورهن عصمت، في حديثه لـ«دارفور24»، إنخفاض الدولار من عدمه، باستكمال الحكومة الإنتقالية لسياساتها الخاصة بتقييد ذلك الإرتفاع بإزالة التشوهات العامة للإقتصاد، ودعم سياسات خاصة للصادرات.
أخطر قرار
بدوره، قال عضو اللجنة الاقتصادية في قوى الحرية والتغيير المهندس عادل خلف الله، إن تخفيض قيمة الجنيه والذي وصل الخميس الماضي 260 جنيهاً مقابل دولار واحد، ليس بمعزل عن الإجراءات الأخيرة بعنوان «تعديل الموازنة» والتي تُمهّد إلى تحرير العملة الوطنية تحت قاعدة «تعويم الجنيه»، وخُلاصتها إعادة سياسات النظام البائد حين أبرم إتفاقاً مع صندوق النقد الدولي في 2013، بما فيها برنامج المراقبة.
واستغرب إصرار صانع القرار الإقتصادي في السودان على تجريب فشل المُجرب؟ والإستكانة للوصفة التقليدية المعروف نتائجها الخاصة بصندوق النقد الدولي في بلد شعبها كريم وصاحب عزّة وإقتصاده متنوع وغني ـ على حد تعبيره ـ.
وقال خلف الله، إن قرار تعويم الجنيه في ظل شُحّ النقد الأجنبي داخل بنك السودان المركزي جعل السوق حسب العرض والطلب فتحّكم المُضاربين وتجار العُملة في النقد الأجنبي فزادت أسعار السلع والخدمات وإنعكس في التضخم والذي عندما يتجاوز حاجز الـ100 فإن إقتصاد الدولة دخل في نقطة حرجة.
الوصفة الوطنية
واقترح خلف الله، وهو الناطق الرسمي لحزب البعث ـ أحد مكونات الحكومة ـ، على الحكومة تبني السياسات البديلة التي قدمتها قوى الحرية والتغيير وتضمنت تقوية القوة الشرائية للجنيه، عبر 11 مصدر للنقد الأجنبي، والتي أكّد أنها ستوقف تدهور القوة الشرائية للجنيه، وتُعزّز موارد الموازنة وتُخرجها من دائرة العجز في الميزان الداخلي والخارجي.
وأكّد أن اللجنة الاقتصادية في قوى الحرية والتغيير، نبّهت الوزيرة هبة، بأن سعر السوق الموازي «الأسود» للدولار الذي اشترطوا مساواته مع السعر الرسمي ليس حقيقياً، بدليل أنه خلال مايو عندما سقط نظام حزب المؤتمر الوطني «المحلول» هوى الدولار إلى 48 و49 مقابل الجنيه، وزي ما بقولوا أهلنا «البلد ما فيها حكومة» وبالتالي ما يجعل الدولار الواحد يتجاوز حاجز الـ 250 جنيهاً هي سياسات الحكومة التي تُبنى بالسعر الموازي كقيمة حقيفية للجنيه، وتركها للمضاربات وتجار العملة بدلاً أن تكون هي المحدد الوحيد لسعر عملتها الوطنية.
عُملة جديدة
ونصح خلف الله، حكومة ثورة ديسمبر، بإصدار عملة جديدة لتجريد القوة التي تنهش وتُخرّب في جسم الإقتصاد السوداني، ولها قُدرات لإفشال أي محاولات للإصلاح، وذلك بتجريدها من 90% من الكتلة النقدية التي تُسيطر عليها الآن بإصدار عملة جديدة، كما نصح بأن تضع الدولة يدها على الذهب والمعادن بإنشاء شركة مساهمة عامة مع التعدينيين والعاملين في التعدين مهمتها الاستثمار في الذهب وليس شرائه، والتي ستكافح التهريب وتُدخل النقد الأجنبي مباشرةً إلى الجهاز المصرفي، مضيفاً: «هذه الحلول طرحناها ونأمل العودة إليها بعد التجارب القاسية التي تعرّض له المواطن بسبب تعصّب المُمكسين بالملف الاقتصادي داخل الحكومة بقناعات فِكرية لا تُقدم حلولاً للأزمة الإقتصادية السودانية.. لا تزال هنالك فُرص وإجراءات إقتصادية قادرة على وقف تدهور قيمة الجنيه الوطني، وتغطية سد العجز في الموازنة، وتعديلات الموازنة لا تُقدم حلول للأوضاع الإقتصادية». 
الجدير بالذكر أن الإقتصاد الوطني، فقد إيرادات مباشرة وغير مباشرة تقدر بنحو تريليون دولار، بسبب حِقبة الفساد التي عاشها إبان عهد النظام البائد بزعامة المخلوع عمر البشير، وتمّ إدراجه في قائمة الدول الراعية للإرهاب. 
وفاقت ديون السودان الخارجية، 60 مليار دولار، مع انخفاض قيمة الجنيه السوداني الذي يتم تداوله في السوق الموازية حتى أمس الأحد عند سقف ٢٠٠ جنيهاً للدولار الواحد.

اترك تعليقاً